التحقيقات

الحدائق المعلّقة في طرابلس – تحقيق: نسرين شلق

في العدد الماضي, طرحت عليكم سؤالا يعتبر جوهرياً بالنسبة لي:

إن كانت الدولة شبه غائبة (أو مغيّبة) عن طرابلس, فما حجّتنا في امتناعنا –الطوعيّ- عن القيام بأيّة مبادرة فرديّة قد تحسِّن –و لو قليلاً- من مظهر بناياتنا فشارعنا فحاراتنا فالمدينة كلها؟
طبعاً كما توقّعت تماماً, و مع أنّني أشرت إلى أنّ هذه العبارة تكاد تقتلني, إلا أنّهبعد قراءة العديد من الزملاء والزميلات للمقال اتفق الكجميع على إجابة واحدة “عم تحلمي”.
تقوقعت على نفسي مدة يومين حتى بدأت تصلني ردّات فعلٍ مختلفة, “حديقة معلّقة, شو قصدك فيّا على المزبوط؟ والله يا ريت! لأنوالبلد ما فيها ذرّة أوكسيجين!و الأهم لو كلّ واحد كنّس قدام بيتو ما كانت الزبالة مكومة عالطرقات”.
هكذا تحوّل مقالي النظري –أو التنظيري- إلى بحثٍ و تحقيق, و اكتشفت أنّالموضوع طويل و متشعِّب,  و يحتوي على الكثير من الاحتمالات, و الأفكار والأبواب الجديدة, حتّى كدت أنسى أنّ الفكرة الأساسية هي المبادرة الفرديّة فقط, أمّا تطويرها و دعمها فبالرغم من أنّه أمر مهم, إلا أنني قرّرت تركه لمقالات لاحقة (و أنا التي كنت أكره المقالات البيئية المملّة!).
إذا أبقينا الأمر بسيطاً, فـالحديقة المعلَّقةتشمل أسطح المباني، لكنّها تشمل أيضاً كلّ شرفات المنازل, و حتى النوافذ, إذ ليس بالضرورة أن يكون الأمر ضخماً حتى يُحدث فرقاً.
لذا توجهت أولاّ لزيارة بعض السيدات ممن تذخر شرفات منازلهن بجميع أنواع النباتات و الشجيرات, فتضفي الكثير من الحيوية على المبنى كاملاً, حتى أنّك إذاألقيت نظرة عليه فإنّ أول ما يشدّك هو تلك الشرفة الخضراء.
تصطفّ على شرفة السيدة جمانة شجيرات الياسمين الانتكليو الورد الجوري, إلى جانب العديد من الأنواع الأخرى, سواء كانت نباتات موسميّة أو غيرها, إضافةً طبعاً إلى الحبق و المردكوش و غيرها من النباتات العطرية. قالت لي: بصراحة, حين كنت أعمل بدوام كامل, كان من الصعب عليّ الإعتناء بكلّ هذه النباتات, فهي تحتاج وقتاً و صبراً. والوقت والصبر هماالشيئان اللذان تفتقدين إليهما عندما تعملين. لكني الآن أملك وقتاً أكثر لذا سمحت لنفسي بزيادة المساحة الخضراء على الشرفة, مع كلّ ما يعنيه هذا من عناية دائمة و تشذيب و تهوئة للتربة من حينٍ لآخر.
أما الحاجّة زينب فتقول: “كل هيدا يا بنتي جمعته على مرّ السنوات, و الكثير منه مليءٌ بالذكريات الجميلة, فبعضها هدايا من أبنائي و أصهرتي و حتى أحفادي الشباب, و البعض الآخر اشتريته مع المرحوم زوجي خلال نزهاتنا فكنت إذا أبديت إعجابي بورداتٍ كبيرة الحجم و رائعة اللون اشتراها لي, ثم ّضحكت و قالت لي:كل شي بحقو, شجيرات الورد هذه غالية جداً. لكنّها استدركت حين رأت خيبة الأمل على وجهي: انظري إلى هذه النبتة, أحبّها لأنّ لها زهورٌ من كلّ الألوان, و تمتدّ بسرعة.فأنتتستطيعين أن تمدّيها على “الدرابزين” أو جوانب البابو فعلاً كان منظرها مبهجاً جداً.
و أذكر أنا أنّ جدتي كانت “تربّي” أرزة جميلة على الشرفة. أرزة! و حين كنا نقول لها أنّها ستكبر لتخترق السقف, كانت تجيبنا:”حين تلامس السقف, سآخذها و أزرعها في حديقة أيّمسجد و هذا ما حصل تماماً.  
ما لمسته عند جميع من قابلتهنّ أو سألتهنّهو تعلقهنّ بنباتاتهنّ حتى تكاد تكون حيواناتٍ أليفة. و هي بالفعل تحتاج نفس العناية تماماً, إن لم يكن أكثر, فعلينا أن نسقيها في أوقات محددة و أن لا نغفل عن أيّ تغيّرٍ قد يطرأ عليها.
ماذا عن الأسطح؟ تقنياً, إذا اعتمدنا مع الأسطح نفس مبدأ الشرفات, أي بوضع أحواض من كلّ الأحجام و ترتيبها بشكل جميل و متناسق فلن نجد مشكلة أبداً. أما إذا فكّرنا في تخصيص مساحات لنملأها بالأتربة ثم نزرعها و نسقيها, أو حتّى نضع نافورة ماءٍ بينها, فهذا يحتاج إمّا إلى تخطيط مسبق قبل البناء, أو -كما أخبرني أحد الزملاء المهندسين- إلى صيانة كاملة للسطح-أي إعادة تأهيل- تختلف كلفته بحسب الوضع الحالي للسطح و مساحته. و قد تداولنا في بعض الأرقام التي بدت لي للوهلة الأولى أعلى قليلاً من المتوقع, إلا أنّه بعد التفكير على المدى البعيد فإنّ الكلفة مقبولة مقارنةً بالتكاليف الباهظة الناجمة عن التلوث.
ما المطلوب إذاً؟ القليل فقط من المبادرة المشتركة بين وزارات الصحة و السياحة و الداخلية.وإذا ضاق الأمر بهم دعك منهم انزل فقط الى الشارع واشترِ نباتاتك بنفسك!

تحقيق نسرين شلق

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى