حرب “الرقائق الإلكترونية” هل تُجبر أمريكا للتسوية مع روسيا في أوكرانيا؟ بقلم: ناجح النجار- كاتب صحفي- باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية

يبدو أن حربًا اقتصادية طاحنة تلوح في الأفق بين قوتين عظميين بسبب الرقائق الإلكترونية قد تؤدي إلى نشوب حرب عسكرية، إذ تحاول الولايات المتحدة بشكل حثيث تكثيف جهودها ومساعيها لإعاقة تقدم الصين في صناعة الرقائق الإلكترونية التي تمثل عنصرًا مهمًا ومحوريًا في كل الأجهزة الإلكترونية مثل الهواتف الذكية والبطاريات والأسلحة والمعدات العسكرية.
أهمية تايوان ومصانع الرقائق التي تمتلكها جعلت “البنتاغون” الأمريكي يصادق على صفقة ضخمة بقيمة 619 مليون دولار لدعم سلاح الجو التايواني، ذلك أن سقف توقعات نشوب مواجهة لا تبدو بعيدة بين بكين وواشنطن، مع فرص حصول تايوان على دعم عسكري ربما لم تحصل عليه أوكرانيا قبل الحرب مع روسيا، ما ينذر بحرب اقتصادية كبرى مع الصين قد تمتد لحرب عسكرية.
ففي أكتوبر الماضي لعام 2022 أعلنت واشنطن عن قيود كبيرة في التصدير بحيث باتت الشركات التي تنوي تصدير هذه الرقائق إلى الصين ملزمة بالحصول على تراخيص تصدير مسبق، إذ شملت القيود الرقائق التي يتم إنتاجها باستخدام معدات أو برامج كمبيوتر أمريكية بغض النظر عن مكان صنعها في العالم.
كما أعلنت الولايات المتحدة بشكل واضح أن استخدام الصين للتكنولوجيا يشكل تهديدا لأمنها القومي، وقالت إن الغرض من هذه القيود ضمان قيام الولايات المتحدة بكل ما في وسعها لمنع حصول الصين على التقنيات الحساسة ذات التطبيقات العسكرية.
في المقابل، وصفت الصين القيود الأمريكية بأنها “إرهاب تكنولوجي”، خصوصًا أن القيود الأمريكية تمنع المواطنين الأمريكيين وحاملي بطاقة الإقامة الخضراء من العمل في بعض شركات الرقائق الصينية، ذلك أن حاملو البطاقة الخضراء هم مقيمون دائمون في الولايات المتحدة ولديهم الحق في العمل في الدولة.
تحاول واشنطن قطع كل الطرق والسبل أمام الصين للوصول إلى القدرات الأمريكية مما سيؤثر على قدرتها على تطوير أشباه الموصلات المتطورة، وبالتالي فبعد حروب النفط خلال العقود الماضية يتطور الصراع بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم على مورد ثمين آخر هو أشباه الموصلات والرقائق التي تُشَغِل حياتنا اليومية حرفيا.
تقدر الأجزاء الصغيرة من السيليكون في قلب صناعة تبلغ قيمتها 500 مليار دولار وفق خبراء ومختصين، كما من المتوقع أن تتضاعف خلال 2030 ومن يتحكم في سلاسل التوريد، وهي شبكة من الشركات والبلدان التي تصنع الشرائح، يحمل مفتاح أن يكون قوة عظمى منقطعة النظير.
يقول كريس ميلر، مؤلف كتاب حرب الشرائح والأكاديمي في جامعة تافتس، إنه من الواضح أن البلدين منخرطان في سباق تسلح في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لكنه يضيف قائلا إن هناك المزيد في هذا السباق: “الذي يحدث في كل من المجالات التقليدية، مثل عدد السفن، أو الصواريخ، لكنه يدور بشكل متزايد حول جودة خوارزميات الذكاء الاصطناعي (إيه آي) التي يمكن أن يتم توظيفها في الآلة العسكرية “.
يضيف: في الوقت الحالي، تنتصر الولايات المتحدة، لكن حرب الرقائق التي أعلنتها على الصين تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، ولا يُعد الوصول إلى هذه المرحلة بالأمر السهل حتى بالنسبة لكبار صانعي الرقائق.
وفي منتصف 2022، أصبحت سامسونغ أول شركة تبدأ في إنتاج كميات كبيرة من شرائح ثلاثية النانومتر على نطاق واسع، تبعتها شركة تايوان سيميكونداكتور الصناعية (تي إس إم سي) – أكبر صانع للشرائح في العالم، ومورد رئيسي لشركة آبل، ذلك أن الرقائق تعد أصغر بكثير من خصلة شعر الإنسان، والتي تتراوح ما بين 50 إلى 100 ألف نانومتر، مما يعني أنها تدخل في أجهزة أكثر قيمة مثل أجهزة الكمبيوتر العملاقة والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء.
تعتبر سوق الشرائح الأقل تطورًا وفق مراقبون، التي تعمل على تشغيل الأشياء العادية في حياتنا، مثل أفران الميكروويف والغسالات والثلاجات، مربحة أيضًا. لكن من المرجح أن يتلاشى الطلب عليها في المستقبل.
يتم تصنيع معظم شرائح العالم حاليا في تايوان، مما يمنح هذه الجزيرة، التي تتمتع بالحكم الذاتي، ما يسميه رئيسها “درع السيليكون”، أو بعبارة أخرى، الحماية من الصين، التي تطالب بضم الإقليم.
وقد جعلت بكين إنتاج الشرائح أولوية وطنية وتستثمر بقوة في أجهزة الكمبيوتر العملاقة والذكاء الاصطناعي. ويقول ميلر إنها لم تقترب من أن تكون رائدة عالميا، لكنها لحقت بالركب بسرعة في العقد الماضي، لا سيما في قدرات تصميم الرقائق، كما قررت الصين منع المواطنين الأمريكيين والمقيمين الدائمين من دعم “تطوير أو إنتاج” الشرائح في مصانع معينة في الصين.
بالتزامن مع تلك الحرب الاقتصادية الطاحنة، فمن المتوقع أن تخسر شركة إيه إس إم إل الهولندية حوالي ربع الإيرادات التي كانت تجنيها من الصين. وهي الشركة الوحيدة التي تنتج الأجهزة الليثوغرافية التي تصنع شرائح “رائدة ودقيقة”.
بسبب القيود الأمريكية وتخوفها من النفوذ الصيني، فقد ألغت شركة آبل صفقة لشراء شرائح ذاكرة من واحدة من أنجح شركات الرقائق في الصين، وهي شركة يانغ تسي ميموري تكنولوجي (واي إم تي سي)، في أعقاب فرض القيود الأمريكية.
يشير ميلر، إلى أن تجربة هواوي ستتكرر في الشركات الأخرى. وأضاف أن عملاق الاتصالات انتقل من كونه ثاني أكبر صانع للهواتف الذكية في العالم، بعد سامسونغ، إلى “جثة”.
وتابع، قائلاً:”يكشف ذلك مدى قدرة واشنطن على خنق أي شركة تكنولوجيا صينية، مرجحا أن يكون لدى الصين حقا أو خيار جيد للرد على ذلك، في السابق، كانت الولايات المتحدة تستهدف الشركات الصينية بشكل فردي. ولكن هذه المرة، توسع النطاق ليشمل البلد بأكمله”.
وقد تقدمت بكين بشكوى لمنظمة التجارة العالمية، لكن التوصل إلى قرار قد يستغرق سنوات.
وواصل كريس ميلر حديثه، قائلاً: لا يزال هناك الكثير من التعامل بين الشركات الأمريكية والتايوانية والصينية والشركات من البلدان الأخرى، وسنرى في الفترة المقبلة جهودًا مكثفة من قبل الولايات المتحدة لإبعاد الصين عن شبكات الابتكار، وفي المقابل جهودا صينية لبناء سلسلة توريد خاصة بها بدون الولايات المتحدة.
خلاصة القول.. إنه بالرغم من حرص واشنطن وأوروبا على هزيمة روسيا؛ بل سحقها في أوكرانيا، إلا أن الولايات المتحدة مضطرة أو قد تدخل في صراع مفتوح مع قوتين كبيرتين وهما الصين وروسيا، لاسيما بعد إطلاق الرئيس الأمريكي جو بايدن تصريحات مؤخرًا تعهد فيها – بالتدخل عسكريًا لحماية جزيرة تايوان- إذا ما تعرضت لهجوم من بكين.
وهو ما رفضته الصين بشكل فوري وردت على تلك التصريحات مؤكدة أنه “لا مجال للتهاون في أمور تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها”، محذرة واشنطن من “اللعب بالنار”، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام الإدارة الأمريكية في مواجهة الصين وروسيا معا.
إذن، نحن أمام سيناريوهات متوقعة، إما أن تقبل واشنطن بالدخول في صراع كُلفته باهظة اقتصاديًا وعسكريًا عليها أمام الصين وروسيا، خصوصًا في ظل قلق أمريكي من التقارب الصيني الروسي، وبعد إعلان وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، عن أضخم ميزانية عسكرية لعام 2024 تستهدف مواجهة الصين بشكل مباشر، أو أن تضغط واشنطن على كييف للتسوية مع روسيا لكي تتفرغ للحرب مع الصين وحماية جزيرة تايوان، حيث امتلاكها أكبر مصانع لإنتاج “الرقائق الإليكترونية” حول العالم.


Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development