التحقيقات

ما علاقة الدين بما يحدث وهل الدين هو السبب؟ \ كتب: أسامة إسماعيل

 هل الدين له علاقة مايحدث من صراع سياسي وحروب وظلم إقتصادي واجتماعي وإزعاج وتضييق على الحرية الفردية والفكرية وقلة إحترام؟ الجواب: إن أصل الدين لاعلاقة له بهذه الأمور ولكن التحريفات والشوائب والتشويهات التي أدخلت في الدين من قبل سلطات سياسية و"رجال دين" وأحزاب وتجار كبار عبر التاريخ حتى اليوم أدت إلى نشوء مذاهب وطوائف وفرق أقحمت في هذه الأمور لأجل السلطة والمناصب والنفوذ والثروات والإستعمار والإحتلال وتبرير العدوان، وخاصة استغلال الحركة الصهيونية الدين اليهودي لاحتلال فلسطين وتبرير حروبها العدائية، وإن أكبر تحريف للدين هو عندما نقل من حالة التوحيد المطلق لله بالعبادة والتقديس والولاء إلى حالة عبادة أشخاص أو تقديس أشخاص والولاء لهم حيث يضعف الإيمان الحقيقي المجرد ودور العقل وإلارادة الفرديين والعلم والمنطق وتقوى المعتقدات الجماعية المسبقة والمناسبات والعادات والطقوس والشعارات المرتبطة بهذه المعتقدات التي فرضتها سلطات سياسية ومذهبية وعواطف ومصالح جماعية.
  الدين وسيلة وأصابه ماأصاب الوسائل الأخرى
الدين وسيلة وليس هدفاً وعندما تفهم الوسيلة فهما"خاطئا"، وتستعمل بطريقة سيئة تنحرف عن أصلها والغايات التي لأجلها وجدت وتصبح نتائجها سيئة، وهكذا هي أيضاً، الوسيلة التكنولوجية مثل السيارة والإنترنت والإعلام المرئي، فالمفهوم الخاطئ لوظائف هذه الوسائل وغاياتها والإستعمال السيء والخاطئ لها يؤديان إلى تغليب الجانب السلبي على الجانب الإيجابي لهذه الوسائل. وكذلك السياسة والإقتصاد وسيلتان تفهمان وتستعملان بطريقة خاطئة وسيئة فتكون النتيجة أزمات واضطرابات وحروبا"وظلما" إقتصاديا"واجتماعيا" وتخلفا"واستبدادا" وفوضى و

وفسادا” ماليا” وإداريا”وهدرا”، حيث أن السياسة انحرفت عن مفهومها الأصلي وهو إدارة الشؤون العامة والتنمية وتحسين الأوضاع
وأصبحت سعيا”دائما” إلى الزعامة وكسب العدد والشعبية وجمع الثروة لأشخاص و أحزاب وفئات معينة، والنفوذ والإنتخابات والوصول إلى السلطة أو الإحتفاظ بها وإن أدى ذلك إلى حروب مدمرة وفتاكة كما يحدث في غزة ورفح وغيرهما. وابتعدت السياسة عن مفهومها النخبوي وأصبحت العددية تتحكم بالإختيار والحكم والإدارة والقرار، وخاصة في الديموقراطية الإنتخابية العددية الطائفية الحزبية، فأي شخص وإن كان لايتمتع بالكفاءة والجدارة يستطيع الوصول إلى السلطة والمناصب والإدارة العامة والوظائف. المهم أن يكون مقتنعا”بهذه الديموقراطية وآلياتها ووسائلها، و قادراً على التأثير في الناس عبر مخاطبة جيوبهم وعواطفهم وغرائزهم والمعتقدات والآراء الجماعية المسبقة بالإضافة إلى الدعم الخارجي.
إدارة الموارد وتوزيعها ليست صحيحة وعادلة
إنحرف الإقتصاد عن مفهومه الأصلي وهو إدارة موارد محدودة وتوزيعها بالعدل لتلبية حاجات غير محدودة، فأصبح الإقتصاد توزيعا”غير عادل للموارد والثروة وتفاوتا” كبيرا”بالدخل والمستوى المعيشي بين الأفراد على أساس غير عادل، فقد يحصل الجاهل والسطحي وغير الكفء والفاسد على دخل مرتفع بسبب استفادته من التحزب و” المحسوبية “والربح السريع واستغلال الأزمات، وقد ربح أصحاب المداخيل بالعملة الأجنبية (الدولار) منذ بداية الأزمة في لبنان سنة ٢٠١٩، من ارتفاع سعر الدولار الأميركي قدرة شرائية بنسبة تصل إلى ٨٦٥٪، فيما المثقف النخبوي الحر المستقل قد لايحصل على الحد الأدنى للرواتب والأجور بسبب النظام الإقتصادي والسياسي والإجتماعي الظالم والسيء. وأصبح الإقتصاد لعبة بأيدي السياسيين والأحزاب والأثرياء والدول الكبرى ذات التاريخ الإستعماري والمجموعات الشعبوية ويسخر لخدمة مصالحهم وغاياتهم ومسرحيات صراعاتهم وخلافاتهم وتحالفاتهم فيتعرض الإقتصاد للأزمات والإهتزازات. والمثل على ذلك الأزمة المالية والنقدية والإقتصادية في لبنان، وهي أزمة مركبة من تضخم نقدي وانكماش ودين عام وعجز في آن معاً، حيث تجاوز التضخم السنوي ٦٠٠في المئة وتضاعفت الأسعار ٦٤ مرة منذ سنة ٢٠١٩،فيما تجاوزت نسبة العجز في الميزان التجاري ٨،٥٪، ونسبة البطالة ٤٠٪،وبلغت كلفة خدمة الدين العام ١٥٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي دون أن تكون هنالك معالجات شاملة وناجعة وعادلة لها بل معظمها معالجات جزئية وغير حاسمة وغير عادلة. وابتعد المجتمع عن أصل وجوده والغاية منه، وأصبحت العلاقة بين المجتمع والفرد هي علاقة اتباع وولاء وخضوع بدلاً من أن تكون العلاقة حقوقية وندية، وتحول المجتمع وخاصة في بلد مثل لبنان إلى حالة قطيع، يغيب فيها العقل والإرادة الفرديان وتسود فيها المعتقدات والعواطف والمصالح الجماعية.
وسائل الإعلام والتواصل
الإعلام وسيلة ابتعدت عن المفهوم النخبوي الحر المستقل والوظيفة الثقافية والنقدية والإرشادية والتغييرية، وأصبح يغلب عليها الطابع الإخباري والمسيّس والحزبي والطائفي والشعبوي والترفيه السطحي والممل. فالمفاهيم والنظريات السيئة والنظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي السيء وتبعية معظم وسائل الإعلام Mass Media بالملكية والتمويل والتوجيه والأداء السيئان عوامل أدت إلى هذا الواقع الإعلامي الذي يفتح أبوابه أمام التابع والحزبي والشعبوي َوالطائفي والمتملق وغير الكفء وغير الجدير ويغلق أبوابه أمام المتخصص بالإعلام والصحافة النخبوي الحر المستقل الناقد، ويحجب عنه فرصة العمل والوظيفة والمدخول والمكانة. فيما أدى التوجيه والإستعمال السيئان لوسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) إلى تغليب الجانب السلبي على الجانب الإيجابي لها أي الجانب العلمي والتعليمي والثقافي المكمل للمكتوب والمطبوع ومساعدة القطاعات الإقتصادية ومجالات العمل والإبداع المختلفة. ومن الجوانب السلبية : القدرة على تزييف المعلومة عبر عمليات تركيب الصور وتلفيقها وتعديل الأصوات وغيرها، والقرصنة الرقميةHiker, والتحريض المذهبي والطائفي والتسييس والتحزب واللاعقلانية والإباحية الجنسية. وكذلك الفن وسيلة ابتعدت عن أصلها وغاياتها، وأصبح السائد هو الفن الهابط والسطحي الذي يخاطب العواطف والغرائز الجماعية دون العقل وإلارادة الفرديين، ويقدم محتوى رخيصا”وغير ذات قيمة فيما أصحاب هذه الفنون يجمعون ثروات طائلة؟!!!
المذاهب والطوائف ابتعدت عن أصل الدين وغاياته والإيمان الحقيقي وهو توحيد الله بالعبادة والتقديس والولاء. فالدين أو الإيمان يختلف عن المذهب والطائفة، ومن رفض بعض الأمور في المذهب الذي ولد عليه أو المذاهب الأخرى ليس كافرا”أو ملحدا”، وكذلك النظام السياسي وحكم “رجال الدين” والسياسة الدنيوية والإنتخابات والأحزاب ليست منزلة ومقدسة. ولادخل للدين والإيمان الحقيقي بالموقف والرأي من هذه الأمور والأشخاص. فالدين ليس المسؤول عن الظلم الإقتصادي والإجتماعي والأزمات والحروب والإستبداد والفوضى والفساد الأخلاقي والإجتماعي والمالي والإقتصادي بل تحريف الدين وتشويهه وإقحامه في الأمور المذكورة،والمذهبية والطائفية الحزبية والشعبوية. يقول شلايرماخر:”الدين بعيد عما تجترحه الطوائف وعما تستحوذ عليه من فكرة تصور الدين وتصوغه كما يحلو لها، ولايصح الدين إذا ارتبط بشباك الطائفية، وإن كانت الأخيرة تصوره بطريقة تبدو كما لو أنه منها ولايتطلع إلاإليها”.
أسامة إسماعيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى