المقالات

قَابلِية الذَّاكرة لِلْخطأ فِي العمليَّات القضائيَّة \ د. روعة عبدالله معاز

إِنَّ الذَّاكرة لَا تُوفِّر معْلومات حَقيقِية لِلْأحْداث اَلتِي تَمَّت سابقًا ، ومَا يَتِم تمْريره فِي الذَّاكرة هُو مَا تمَّ تخْزينه بِالذَّاكرة ، وَحسَب توقُعَات الشَّخْص نَفسَه وَحَالتَه العاطفيَّة ورؤْيَته ، بَعْد ذَلِك يَتِم دَمْج هَذِه المعْلومات مع المعْلومات اَلأخرى المخزَّنة فِي الذَّاكرة سابقًا على مَدَار مَسِيرَة حَيَاة الشَّخْص ، ومَا يَتِم اِسْترْجاعه لَاحقًا مِن تِلْك الذَّاكرة يَتِم تحْديده مِن خِلَال نَفْس العوامل المتعدِّدة اَلتِي ساهمتْ فِي تَشفِير معْلومات كَثِيرَة بِالْإضافة إِلى أيِّ عَامِل يَدفَع لِتذكُّر الحدث على وَجْه التَّحْديد ، ومَا تَتِم إِعادة سَردِه عن تَجرِبة مَا فَهُو يَعتَمِد على من يَتَحدَّث إِلَيه الشَّخْص والْعَرْض مِن تَذكُّر الحدث اَلمُعين مِثَال : ( إِخبَار الأهْل – إِخبَار الشُّرْطة – إِخبَار صديق ) عن حدث مَا يَختَلِف مِن شَخْص إِلى آخر ، أَضِف إِلى ذَلِك فَإِن مَا يَتِم تَذكرُه تَتِم إِعادة بِنائه مِن بقايَا مَا تمَّ تخْزينه فِي الأصْل .
إِذ إِنَّ مَا نتذكَّره يَتِم إِنْشاؤه مِن كُلِّ مَا تَبقَّى مِن الذَّاكرة بَعْد أيِّ نِسْيَان يَطرَأ وتداخل التَّجارب الجديدة اَلتِي حَدثَت بَيْن تَخزِين واسْترْجاع تَجرِبة مُعَينَة خِلَال الوقْتِ الماضي ، وَذلِك نظرًا لِأنَّ مُحْتويات ذِكْرياتنَا الخاصَّة بِالتَّجارب تَنطَوِي على المعالجة اَلنشِطة أَثنَاء التَّشْفير والتَّكامل مع المعْلومات المسْبقة أَثنَاء الدَّمْج ، وإعادة البِناء أَثنَاء اِسْترْجاعهَا لِأيِّ مَعلُومة .
فالذَّاكرة غَيَّر مَعصُومة عن الخطأ فِي أَحسَن الأحْوال ، وغيْر مَوثُوقة فِي أَفضَل الأحْوال ، ولَا تَتَضمَّن قَابلِية الذَّاكرة لِلْخطأ فِي حَذْف تَفاصِيل مِن الوقائع الأصْليَّة فحسْب بل تَعتَمِد إِلى اِرتِكاب أَخطَاء بِمَا فِي ذَلِك خَلْق أَوهَام الذَّاكرة وَيمكِن أن تَكُون تِلْك الأوْهام بَسِيطَة فِي بَعْض الأحْيان مِثْل : ( سُوء تَذكُّر مَا إِذَا كان الشَّخْص قد رَأْي عَلامَة تَوقُّف عِنْد تَقاطُع الطُّرق ) أو سُوء تَذكُّر عميق مِثْل ( نِسْيَان تَجارِب بِأكْملهَا مَثَّل: ( الضَّيَاع فِي أحد اَلأزِقة عِنْدمَا كان صغير أو نِسْيَان شَكْل شخْصًا قد قام بِضرْبه بِآلة حَادَّة ، أو نِسْيَان حَادِثة حَصلَت أمامه تفاصيلهَا فمثلا : تَكُون لِأحْمد وَهُو يَتَذكَّر جُزْء مِنهَا على أَنهَا لِعَلي ) والْحقيقة أنَّ مِثْل هَذِه الأوْهام يُمْكِن أن تَظهَر بِشَكل عَفوِي لَدى الفرْد ، حَيْث يَتِم إِنْشاؤهَا دَاخلِيا أو يُمْكِن أن تَنشَأ خَارجِيا نَتِيجَة لِاقْتراح شَخْص آخر على الرَّغْم مِن أنَّ مَصدَر أَوهَام الذَّاكرة قد يَختَلِف نظرًا لِأنَّ عواقبهَا التِّذْكاريَّة هِي نَفْس الشَّكْل الأساسيِّ ، لِذَلك هُنَا يُمْكِن اِسْتخْدام مُصطَلَح الذَّاكرة الزَّائفة لِلْإشارة إِلى كِلَا النَّوْعيْنِ مِن وَهْم الذَّاكرة ، وقد ظَهرَت هَذِه النَّظْرة لِلذَّاكرة فِي مُدَّة لَيسَت بَعِيدَة فِي عدد مِن الدُّول الغرْبيَّة خِلَال أَبحَاث عِلْميَّة تمَّ إِجْراؤهَا حَوْل عمليَّات الذَّاكرة وَآلِية التَّذَكُّر وَذلِك أَثنَاء عمل بَاحثِي عِلْم الذَّاكرة وَباحِثي عِلْم النَّفْس الجنائيِّ مع النِّظَام القضائيِّ . . .
إِذ إِنَّ تَواجُد خُبَراء عِلْم النَّفْس الجنائيِّ والذَّاكرة فِي قَاعَة المحْكمة تُظْهِر لَهُم أَسئِلة وَتَرجمَة جَدِيدَة لِطبيعة ذَاكِرة اَلمُتهم أو الشَّاهد أو اَلمجْنِي عليْه فِيمَا يَتَعلَّق بِدقَّة الأحْداث لَديهِم ، وقد أَظهَرت الدِّراسات أنَّ المحقِّقين والْقضاة والْمشاركين فِي إِرسَاء نِظَام العدالة القانونيَّة لَيْس لَديهِم أيُّ عُمْق حَوْل الذِّكْريات وأنَّ مَا لَديهِم يُعتَبَر سَطحِي مِثَال : ( هُنَاك اِعتِقاد أَنَّه كُلمَا زَادَت التَّفاصيل اَلتِي يُمْكِن أن يتذكَّرهَا مُقدَّم الشَّكْوى مِثْل المحادثات الحرفيَّة والْملابس اَلتِي يرْتديهَا الأشْخاص وَتوقِيت الحدث بِالضَّبْط وو . . . إِلخ ) كُلمَا كَانَت الذَّاكرة أَكثَر دِقَّة .
إِلَّا أنَّ الدِّراسات العلْميَّة أَظهَرت أَنَّه – فِي كثير مِن الأحْيان – لَا يَنظُر إِليْهَا على أَنهَا عَلامَة على صِحَّة الذَّاكرة ، بل قد تَكُون هَذِه التَّفاصيل بَوَّابة لِلشَّكِّ ، لِأنَّ حَالَة الانْفصال بَيْن عِلْم الذَّاكرة والْمعْتقدات اَلتِي يعْتقدهَا المشاركين فِي التَّحْقيقات القضائيَّة يُمْكِن أن تُؤدِّي إِلى إِجهَاض العدالة مِثَال : ( التَّعَرُّف الخاطئ على شُهُود العيَان – رَبْط أَحدَاث بِبعْضِهَا قد يَكُون أَحدُها حصل فِي زَمَان وَمَكان مُغَايِر لِلْواقعة مَحْض التَّحْقيق ) إِنَّ عِلْم الذَّاكرة عِلْم مُهِم لِأنَّ فهْمنَا لِلتَّجارب التَّذكيريَّة هُو أَنهَا مُجَزأَة وتحْتَوي على فَجَوات فِقْدَان الذَّاكرة ، والْمعْلومات غالبًا مَا تَكُون غَيْر مُرَتبَة وتحْتَوي على تخْمينات تفاصيلهَا غَيْر صَحِيحَة ، حَيْث يَتِم إِنْتاجهَا وإدارتهَا فِي السَّرْد بِطريقة تِلْقائيَّة خَارِج الوعْي الواعي والسِّمات الأساسيَّة لِلذَّاكرة الزَّائفة وقابليَّة الإيحاء تَجدُر الإشارة إِلى أنَّ عِلْم الذَّاكرة والْعَمل بِه مِن قِبل خُبَراء مُخْتصِّين وخبرَاء عِلْم النَّفْس الجنائيِّ دخل حَيِّز التَّنْفيذ مُنْذ وَقْت إِلى قاعات المحاكم فِي الغرْب لِمساعدة اَلقُضاة والْمحقِّقين فِي إِرسَاء العدالة النَّاجزة .

للتواصل مع الباحثة:+968-95886392
6/7/2024

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى