التحقيقات

بين التفكير الفلسفي والعلمي والتفكير الديني والمذهبي والعاطفي \ أسامة إسماعيل

التفكير الفلسفي والعلمي يشكك في الكثير من الأمور التي يواجهها أو تعرض أو تفرض عليه في الحياة والواقع، والتي قد يقبلها أو يسلم بها التفكير الثيولوجي أو الديني والمذهبي أو العاطفي. وإن هذا التشكيك يستدعي نقد هذه الأمور ومعارضتها، ليس النقد الهدّام والعدمي بل النقد الذي يسعى إلى بناء واقع مختلف ومغاير للواقع السيء السائد والمفروض. فهذا التفكير يرد الإيمان بالخالق أو الله إلى العقل الفردي ولايكتفي بالنصوص الدينية وإيمان السلطات الدينية والمذهبية والمجتمع، ويفضل التاريخ الطبيعي والعلمي على التاريخ الثيولوجي والديني والمذهبي أو يحاول التوفيق بينهما.
التفكير الفلسفي والعلمي يخرج السياسة من إطارها الأسطوري والعاطفي والشعبي والإنتخابي العددي والطائفي والحزبي والعشائري، ويخضعها للعقل والإرادة الفرديين والعلم، فبسبب هذا الإطار المذكور أصبحت السياسة في بعض البلدان سبيلا”إلى الأزمات المتتالية والتخلف والتفاوت الإقتصادي الكبير والحروب، وأصبحت الحرب إحدى وسائل هذه السياسة أي السياسة الأسطورية والإيديولوجية والشعبوية والإنتخابية والعاطفية وسياسة الإستعمار والإحتلال والتوسع واستغلال
ثروات البلدان التي كانت تحت الإستعمار والإحتلال، بدلاً من أن تكون السياسة مانعة من الحرب، وخاصة في القرن الواحد والعشرين حيث التطور التكنولوجي والصناعي لم يتوازن مع تطور مفهوم السياسة والأداء والسلوك المرتبطين بها، وهاهي الدول الغربية المتقدمة صناعيا”وتكنولوجيا” تدعم الإحتلال الإسرائيلي وحروبه العدائية
وآخرها حرب غزة . ويحاول هذا التفكير إخراج الإقتصاد من دائرة العواطف والغرائز العمياء التي تتحكم بأسواق العرض والطلب، والإدخار والإستهلاك ومفهوم جمع الثروة إلى مفهوم الإكتفاء الذاتي، ومن مفهوم التبذير وهدر الأموال الذي يستتبع الإقتراض بلا حدود والرهونات وأخطارها، و التقتير والتقشف في النفقات الضرورية والملّحة والإستثمارية إلى مفهوم التوسط في الإنفاق والإستهلاك والإدخار، ومفهوم التوفير. ومن الفوضى والمزاحمة والمنافسة غير المشروعة والتبعية والتحزب و”الواسطات” و”المحسوبيات” إلى تنظيم الإقتصاد والمنافسة والتوظيف وأسواق العمل والتجارة، ووضع ضوابط لحركة الرساميل وتحقيق الأرباح وجمع الثروة، التي تأتي، عادة، على حساب ذوي الدخل المحدود والمنخفض والفقراء وهذا ماحدث في لبنان منذ تشرين الأول ٢٠١٩،حيث هرّب بعض الأثرياء أموالهم بالعملة الصعبة (الدولار الأميركي) إلى الخارج، واستفاد البعض من ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة اللبنانية ليحققوا أرباحا”طائلة والثراء على حساب ذي الدخل المحدود المسعّر بالليرة، الذي انخفضت قدرته على شراء السلع الضرورية المسعّرة بالدولار إلى أدنى مستوى(بنسبة ٩٥٪ تقريبآ ). وأدت هذه الأزمة المالية والنقدية والإقتصادية المفتعلة إلى تدهور وضع كهرباء الدولة إلى حد إ
انقطاعها المستمر والطويل، وإذا عادت، لم تتجاوز ساعات التغذية بالتيار الكهربائي ٤ أو ٦ساعات باليوم مقابل ارتفاع كلفة الإشتراك بمولد الكهرباء وفاتورته الشهرية.
الكثير من وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي يشجع التفكير الإيديولوجي والثيولوجي والمذهبي والعاطفي بدلاً من التفكير الفلسفي الفردي والعلمي. وتؤدي الصور المتحركة والثابتة والفيديوهات دورا”مؤثرا” في هذا المجال إنطلاقا”من الوصف الشائع لهذا العصر بأنه عصر السرعة والصورة. فالمشاهد أو المتصفح لوسائل الإعلام والتواصل ليس لديه الوقت الكافي لتحليل المعلومات والآراء والصور التي تعرض أمامه بسرعة في شريط متسلسل، والتوقف عندها لمواجهتها بالتفكير الفلسفي والعلمي ونقدها، وخاصة أن الكثير من الناس لايفكرون، عادة، بطريقة فلسفية فردية وعلمية، والكثير من محتويات الأخبار والتعليقات والمدونات والصور والرسوم ذات اتجاه إيديولوجي أو مذهبي أو عاطفي أو سطحي أو مسيس عدا الملفق والمختلق والمركب منها والإشاعات بالإضافة إلى تبعية الكثير من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي وعلاقاتها وحاجتها إلى التمويل وانغماسها في السياسة الآنية والإنتخابية والمصلحية وأخبار الحروب، والدعاية السياسية والإيديولوجية والإنتخابية وكذلك الدعاية والتسويق للأثرياء، وتسويق الفن الهابط والشعبي والصاخب، أدى إلى إضعاف دور الإعلام والتواصل في إصلاح مفاهيم الدين والسياسة والمجتمع والإقتصاد والفن والواقع المرتبط بها، وخاصة أن الكثير من العاملين في َوسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي غير متخصصين بهذا المجال، وبعضهم لا يملك حتى شهادة البريفيه!!! بسبب الفوضى والتبعية و”المحسوبية” والديموقراطية الإنتخابية العددية الطائفية الحزبية العشائرية، التي تهمش المثقف النخبوي الحر المستقل الناقد!!!
أسامة إسماعيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى