الإقتصاد اللبنانيّ في غرفة الإنعاش … إن عاش – بقلم: صبا البزري

بين الأخذ والردّ وتهديد الإتّحاد العماليّ العام بالعودة إلى التصعيد ودخوله في صراع مع الهيئات الإقتصادية والتجار وزعم أرباب العمل بالعجز عن زيادة أجور عمّالهم تحت حجّة الإضطرار إلى تسريح بعض العمّال وركود السّوق وخوفاً من الوصول إلى التضخم الإقتصاديّ كما حصل في اليونان، ذلك بعد أن تم رفض القرار من قبل مجلس شورى الدولة وإعادته إلى مجلس الوزراء لمعاودة النّظر به، مما يعيد الملف إلى نقطة الصفر.
شبابٌ برسم الهجرة
يعتبر الركود الإقتصاديّ أساس المشاكل في لبنان، على الرغم من حفاظه على مستواه المعهود وعدم تأثره بالأزمة العالميّة، إلا أنه وصل إلى حدّ عدم القدرة على التجديد وتقديم الخدمات الضرورية أو إعادة تأهيل البنى التحتية أو حتى إستثمار الرأسمال البشري فيه وخصوصاً الشّباب المتعلم الذي فقد ثقته بوطنه وجلّ ما يتمناه هو الحصول على شهادته التعليمية أو اختيار الإختصاص الذي يلبّي حاجة السوق العالمي، لا ما يحتاج له البلد واضعاً في حسبانه مسألة الهجرة هرباً من الضّيق الإقتصاديّ المزمن الذي يعاني منه الوطن والمواطن على حدّ سواء منذ انقضاء الحرب الأهلية.
في ظلّ تحول الملف المعيشي إلى محط نزاعات سياسية، يبقى المواطن ضحيّة تدهور الوضع المعيشي وعدم قدرة المواطن على شراء كافة حاجياته الأساسية، مع الأخذ بالعلم أنه منذ بدء الحديث عن إمكانية رفع الحدّ الأدنى للأجور، أخذت أسعار المواد الغذائيّة والإستهلاكيّة بالإرتفاع – على الرغم من رفض قرارالزيادة وعدم الأخذ به- مما زاد كاهل المستهلك إرهاقاً مع تعامي الأجهزة الرقابية المختصة وعدم جديّة جمعية حماية المستهلك بالمتابعة والمراقبة.
أجور تحت الحد الأدنى للإيجار
آخر إحصاء جرى عام 2004 أظهر معدل الدخل الفردي في لبنان حوالي 4260 دولاراً أميركياً، أي ما يعادل 355 دولاراً شهرياً، حيث يتم إنفاقه على الإستهلاك الغذائي والمواصلات والإستشفاء والطبابة والإتصالات والتّعليم أما متطلبات العناية الشخصيّة والملبوسات والأحذية والمفروشات والخدمات المتفرقة، فقد أصبحت تعدّ من الكماليات ووجب الإقتصاد فيها واختصارها في ظلّ ارتفاع الإيجارات وبلوغها سقف اللامعقول، فأصغر شقة في أكثر الأحياء تواضعاً يفوق إيجارها الـ 250 دولاراً أميركياً أي ما يعادل تقريباً الحدّ الأدنى الحالي للأجور500 ألف ليرة لبنانية مع العلم أنّ معظم المؤسسات لا تلتزم به كمعيار، فإن دفع المواطن معاشه أو في أحسن الأحوال نصفه إيجار مسكن أوحتى محال تجاري فكيف له أن يتصرف بباقي المصاريف؟
ذلك عدا عن السياسة الضريبة المتبعة التي أنهكت المواطن، فهو مضطر لدفع فاتورتي كهرباء الأولى للشركة الرسميّة المسؤولة والثانية مقابل اشتراك الموّلد، كما أنه يدفع سنويّاً بدل اشتراك مياهٍ مع أنه يشتري مياه الشرب، ففي بلد الأنهر والينابيع مياه غير صالحة للشرب.
والعامل مجبر على التّمسك بعمله ليقتات خبز يومه مهما بلغ أجره، حتى لو لم ينل حقّه في الدخول في التأمين الصّحي أو حتى صندوق الضّمان الصّحي والإجتماعي، في ظل تزايد ارتفاع المعدّل العام للبطالة وبلوغ السّواد الأعظم من الشّعب ما تحت خط الصّفر في الفقر .
البالات متنفس الأعياد
ومع تزامن الدّخول الى المدارس والجامعات وقدوم الأعياد وبدء فصل الشتاء، تسمع صرخات المواطنين تتعالى.
معظم العائلات الطرابلسيّة كما حال سائر عائلات لبنان تبحث عن السّلع الأرخص لشرائها توفيراً للمال خصوصاً تلك العائلات المؤلفة من عدد كبير من الأولاد، حتى أن البعض منها يقتصر على شراء ملابس عيد الفطر وتخزينها لعيد الأضحى، إلا أنه مع تبدل الفصول صار لا بدّ من شراء من ملابس جديدة ملائمة.
أصبحت البالات الملجأ الوحيد لذوي الدّخل المحدود، فهناك ترى الأحذية الشّتويّة القديمة المستهلكة في كومات على أطراف الطريق، حيث ازدحام المارّة وصيحات أصحاب البسطات الذين ينادون على بضائعهم بأرخص الأسعار، فلا يتجاوز سعر الحذاء هناك الـ 3000 ليرة لبنانيّة فتجد الإقبال شديد عليها.
أما أصحاب المحال التجارية، فيعرضون على البسطات كومات الملابس وفي الدّاخل سرداب من الألبسة المعلّقة على طول الحائط، والبعض منها يتدلى من على السقف ولكلّ منها سعره ولكن ضمن حدود المعقول بالنسبة لعامل لا يتجاوز معاشه الأسبوعيّ الـ 100 دولار أميركي، كما هو حال فؤاد الذي يعمل في ورشة نجارة ولا يبقى من أجره الأسبوعي شيئ بين مواصلات ومصروف للمنزل الذي يعيش فيه وحده مع والدته المسنّة ويدفع إيجاراً شهرياً 200 دولاراً أميركياً.
وتجدر الملاحظة أنّ أسعار البسطات تختلف عن أسعار الألبسة المعلقة فكل قطعة يتميز سعرها حسب جودتها والموضة وحسب الفصول.
وللمفارقة فإن سوق البالة يتميز بانخفاض أسعاره في موسم العيد، على خلاف باقي الأسواق التي ترفع أسعارها إستغلالاً للموسم الذي يعتمدون عليه بتصريف بضائعهم المكدسة طوال العام.
فمع بدء الأمطار وتسلّل البرد، تلقى المعاطف والجزمات الإقبال الشّديد وبما أن أسعار هاتين السّلعتين جداً مرتفعة في الأسواق، تلجأ الفتيات والفتيان إلى البالة، لما فيها من جلود ذات جودة عالية ورخص في الأسعار فندى إبنة العشرين ربيعاً تختار ما يناسبها من ألوان ومقاس من الجمات والأحذية المتراكمة على الأرض، وتقول ندى ” الفقير ما إلو إلا البالة الله يعين أهلنا شو بدّهم يلّحقوا تيلحّقوا” ندى الإبنة الكبرى في عائلة مؤلّفة من ستّة أفراد، تعمل نادلة في مطعم شعبيّ تتقاضى 400 ألف ليرة لبنانيّة شهرياً وتساعد في مصاريف المنزل ونفقات أخواتها المدرسيّة.
الأحد … لسوق الأحد
سوق الأحد ليس مجرد سوق أسبوعيّ، إنما هو جزءٌ من تاريخ مدينة طرابلس يعود تاريخه إلى أربيعينيات القرن الماضي حيث كان المصلّون بعد كل صلاة ظهر جمعة، ينطلقون إليه للتمتع بشراء المنحوتات والأواني والحلي والتّحف واللّوحات الفنيّة القديمة الأثريّة، مما أكسبه حينها إسم سوق الجمعة، وكان مركزه الأساسيّ بالقرب من المسجد المنصوريّ الكبير، بعدها عاد ليستقر على ضفة نهر أبو علي تحت قلعة طرابلس مباشرة.
أما اليوم ومع تغير الثقافة وتردي الأوضاع الإقتصادية فقد أصبح موعده يوم الأحد مما حول تسميته إلى سوق الأحد كما تغيّر مكانه إلى منطقة تعرف باسم دوار نهر أبو علي وعلى امتداد ضفّة النهر تتمركز البضائع المختلفة.
في سوق الأحد أصبحت تجد كل شيئ، من الملابس الجديدة الرّخيصة الثمن إلى الملابس المستعملة والأحذية إلى المفروشات والأجهزة الكهربائية المستعمل منها والجديد، وبعض الأشخاص يلجأون إليه لما هناك من تحف وأوانٍ معدنيةٍ وفضياتٍ تراثيّة قديمة ذات قيمة أثريّة عالية، أو بعض القطع التي تنقص أدواتهم الكهربائية، كما تجد السكاكر والموالح الخاصّة لضيافة العيد وما تتطلبه زينة الإحتفاءِ بعودة الحجيج من أداء الفريضة.
هذا السوق هو مقصد معظم المواطنين الذين يهدفون إلى شراء حاجياتهم بعيداً عن الغلاء وبمنأى عن طمع التجارفي ظل إنخفاض القدرة الشرائية.




Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development