التحقيقات

طرابلس… بين الحضيض و المدينة الفاضلة. تحقيق: نسرين شلق

…أشار أفلاطون إلى خصال الرجل المرغوب فيه أن يكون رئيساً من بين الحرّاس, حيث قال: إن من الواجب اختيار الأكثر تميزاً من بينهم, أي الذي يكون أكثر حباً و فائدة لمدينته و أهلها و أحرصهم على تربيتهم على الخلق الفاضل. و إن هذا الذي نبغي إنما يتحقق إذا ما توفرت عدة شروط و من بينها أن لا يستسلم لرأيه ضد إرادته.
و من الممكن توضيح ذلك بعدة طرق, منها أنه يجب أن يقاوم كل ألم أو خوف أو اضطراب أو خطأ, و التي يمكن أن تغريه عن طريق إثارة الشهوات أو النسيان على طول الزمان.”
من كتاب تلخيص السياسة لابن رشد, نقله إلى العربية د.حسن مجيد العبيدي.

شاءت الأقدار أن لا ترى هذه المقالة النور إلا و قد رأت طرابلس الظلمات كلها.
شاءت الأقدار أن تعود أربعين عاماً إلى الوراء في ظرف أيام.
لا أحتاج أن أقصّ عليكم قصص تلك الأيام التي, حتى كتابة هذه السطور, لا زالت تهدد بالعودة بقوة. في آخر الإشاعات أن الهدنة تمتد حتى نهاية الامتحانات الرسمية.
و سواء استمرت الهدنة أم علّقت حتى إشعار آخر فإنه لا وقت لدينا للندب و اليأس و الإحباط, و لا لجلد النفس. أجِّلوا هذا لوقت مناسب أكثر, مثلاً, أبداً.
الآن وقت العمل، وقت التغيير, وقت العطاء. هذا نداء مني أنا, و لست من أبناء المدينة بل أكتفي بِكوني من عشاقها, إلى كل طرابلسيّة و طرابلسي، إلى الكبار و الصغار بينكم، إلى المتعلّم و الأمي, المشهور و المغمور: انقذوا طرابلس فلا أحد غيركم بيده إنقاذها. لا سياسي لا مسؤول. من منكم لا يزال بانتظار أن يتحرك المسؤولون باتجاه انهاء الوضع القائم فهو يعيش أحلام اليقظة.
تعرفون تلك المقولة الأجنبية التي تقول أنك إذا انحدرت إلى الحضيض فإنك لن تستطيع الانحدار أكثر من ذلك, و ستعاود الصعود حكماً؟
أسقطوها على الوضع الحالي. الحضيض البحت. مهما سيحصل الآن فإنه لن يكون أسوأ من ما مرّ على المدينة منذ عقود. قد يكون إعادة إنتاج للمسرحيات نفسها لكن لن يكون أسوأ. ما من شيء إطلاقاً أسوأ من الحضيض الفكري و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و التربوي و الأمني إلا الموت. و طرابلس لن تموت.
ندائي هذا ليس لمؤسسات المجتمع المدني لأنها أدرى بعملها و بالنهج الذي اختارته. ندائي فرديٌ بحت.
أعيدوا ترتيب أولوياتكم و ضعوا طرابلس في المقدمة.
ليس من حقي إملاء الأفعال عليكم فكلنا نعلم كمية الثغرات التي باستطاعة كل واحد ملأها بنفسه. اعملوا فقط و ببساطة.
ابدؤوا باستئصال الفساد: توقفوا عن قبول الرشاوى على أنواعها, بل توقفوا عن دفعها و تشجيع الفاسدين بها!
كل خريجي المدينة, كل أمٍ و أب, كل سائق, كل عامل, أنتم مسؤولون عن التغيير. بيد كل واحد منكم وسيلة للتغيير, لوقف الإشاعات, لوقف نشر الطاقة السلبية, لإعادة التفاؤل و الأمل و العمل فلا تضيّعوها.
خريجو الإعلام و الgraphic design:
كلنا بانتظار تصميماتكم المبدعة و حملاتكم الموجهة إلى داخل و خارج المدينة, لنشر الوعي لا للتصفيق لطرفٍ دون آخر.هذه مهمتكم و ستسألون عنها.
الممرضون و الأطباء و المحامون: الكثير من مستشفيات المدينة في وضع كارثي إن من ناحية معايير النظافة أو الطبابة, و هي تستمر بالتطاول في البنيان و العمران و التوسع, جهّزوا قضايا ضدها, اجمعوا بيانات, لا تعلمون متى ستكونون أنتم من يضطر للعلاج فيها, و يتعرض لفيروس قاتل أو خطأ طبي.
مهندسو المدينة بكافة اختصاصاتهم: تحتاج طرابلس إلى إعادة وضع خطط تنظم السير و العمران, تحتاج جسوراً و طرقات و أبنية جميلة, فماذا تنتظرون؟ ماذا تنتظرون لانقاذ المدينة التاريخية؟
باحثو و مؤرخو المدينة:
هلّا تعاونتم مع المهندسين و كل المعنيين لترميم المباني كما يجب, لأرشفتها, لتهييء روزنامات سياحية حقيقية تتيح للمدينة أن تستقبل السياح كما يليق بها؟
مدرسون و تربويون: المدارس كل المدارس تحتاج دفعة للأمام و بالذات المدارس الحكومية. كثير منها يحتاج إلى ضبط و تنظيم و رفع مستوى الجودة فيها, فلا تتهربوا من المسؤولية و اعلموا أن تطوير هذا القطاع يقع على عاتقكم. كوني مدرّسة فإنني أعي تأثير هذا القطاع بالذات على كل القطاعات الأخرى.
و ندائي الأخير إلى من يحضر و يتابع دورات التنمية البشرية: قد أعجز عن ايجاد مدينة يحصل فيها هذا الكم من الدورات و بالمقابل يكون التطبيق بهذه الضآلة! هل الهدف من الدورة الحصول على الشهادة أو التباهي بمعلومات يجهلها الآخرون؟ أم أن الهدف منها هو التنمية البشرية حرفياً، الرقي بالنفس أخلاقياً و فكرياً و من ثم نشر المعرفة و الارتقاء مع الجميع؟ صدقوني, المدينة بحاجة إليكم.
كنت أود كتابة خاتمة رنانة لكن أختي التي قرأت المقال قبل قليل سألتني إن لم أكن مللت من الدعوة إلى التغيير و من مطالبة الناس بالمبادرة. لا لم أملّ. لأنني ما زلت مقتنعة أنني إن استطعت دفع شخص واحد للعمل أكون أتممت مهمتي، و لأنني مقتنعة أن هذه المبادرات هي وحدها التي ستسمح بإنتاج نماذج كالتي ذكرها أفلاطون. قد يكون هذا أنت. أو أنتِ. لكنه بالتأكيد أحدنا.
و إلا فلنغيّر نشيدنا الوطني من قولنا و العمل إلى قولنا…و قولنا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى