الزجاج المكسور – د. قصي الحسين

كانت بلاد عكار مستقلة بذاتها قبل الإستقلال وبعده. فهي وريثة آل سيفا. كانت حقا إمارة طبيعية مستقلة.
شكل نهر البارد، الحدود الجنوبية لها، كفاصل طبيعي. وكانت “تلة الست”، فوق الضفة الجنوبية لنهر البارد، برج المراقبة لجهة سهل المنية وقرى قضاء المنية والضنية. وظل تابعا لها، لتأمين العبور الآمن بين ضفتي النهر.
وأما حدودها الشمالية، فهي تتجاوز النهر الكبير الجنوبي، إلى أقدام جبال العلويين المحيطة، التي يحرسها حصن الأكراد، وقلعة صافيتا، كبرجين متقدمين لعكار الطبيعية، تؤمن العبور الآمن من طرطوس وإليها. ومن حمص وإليها ومن طرابلس وإليها.
وكانت حدودها الشرقية الشمالية، تقع على ضفاف بحيرة حمص. وكان القصير، هوآخر حدود عكار. أما حدودها الشرقية الجنوبية، فهي تصل إلى وادي السباع، الذي عبر منه ألملك الآشوري “أسرحدون،” في طريقه إلى بعلبك، وسهل البقاع، متوجها إلى فلسطين، تماما كما تصل، إلى نهر العاصي وتلال الهرمل وجبال القموعة، ووادي جهنم. تحرسها هناك قلعة عاروبة، لتؤمن العبور الآمن إلى الضنية والهرمل ووادي البقاع.
وفي هذة الإمارة الطبيعية، كانت تشعر عكار أنها سيدة نفسها. وأنها تحكم نفسها بنفسها.
كانت ملكية الأراضي، هي التي تفرز الزعامات. كانت الحدود الشمالية محروسة من الدنادشة، الذين تملكوا الأرض، من البحيرة إلى البحر. وكانت تلكلخ وحصن الأكراد، منذ الفتح العثماني، تحت إشرافهم، لتأمين الدرب، بين العواصم الثلاث: طرابلس وطرطوس وحمص. فعرفت هذة المنطقة كلها بإسم “الدريب.”
وأما المراعبة، فكانوا على حدود الدنادشة، يتملكون الأرض، من أعالي الجومة وجرود القموعة وعكار العتيقة، ووادي جهنم، الذي يفصل بينها وبين الضنية، حتى السهل والشواطئ البحرية.
وكان آل ضاهر في القبيات، وآل مسعود في بلدة عندقت، يتملكون الأرض، من حدود البيرة والسنديانة، إلى مابعد الشنبوق والبساتين، على حدود آل جعفر وأعالي عودين وجبل أكروم.
وكانت العشائر: في وادي خالد وجبل أكروم وبيت جعفر، وفي فنيدق وإحرار، هم عساكر هذة البيوت الثلاث: الدنادشة والمراعبة، وآل ضاهر- آل مسعود.
لم يشارك زعماء عكار “بغزوة” لنيل الإستقلال. كانوا مستقلين بذاتهم. وكانت غاية أمانيهم، أن تحفظ لهم ملكياتهم الواسعة، التي كونت الطبيعة حدودها الجغرافية، وأقر الفرنسيون لهم بها.
غير أن هذة الطبيعة، كانت شديدة العطب، لأن زعماء الدنادشة وزعماء المراعبة، كانوا سريعي الغضب.
أما آل الضاهر و آل مسعود، فكانوا يذهبون في نفوسهم، أينما تذهب الدولة الفرنسية. فبنت لهم ثكنة عسكرية، وجعلت لهم منصبا، وحامية في وسط الزعامتين الغالبتين: من الدنادشة والمراعبة.
إستطاع الفرنسيون، أن يجعلوا من مملكة عكار الطبيعية، لوحا من زجاج شديد العطب. إشتغلوا على ذلك بدهاء.
أثار الفرنسيون جبال العلويين، على الدنادشة، وكانوا منذ أيام العثمانيين في أكنافهم. وقوي ذلك وإشتد بعد معركة تلكلخ والشعرى و ومعركةحمص، ووقعة ميسلون على الفرنسين. مما أثار ثائرتهم، فقويت قرى الجبال في الشمال على الدنادشة في عكار، خصوصا بعد إغتيال نائبهم في دمشق المحامي الأستاذ عبد الرزاق دندشي.
شكلت وقعة ميسلون، وخروج فيصل من دمشق، عاملا أساسيا، لخسارة الدنادشة في ظل الإنتداب الفرنسي. لم يحسن الدنادشة أن يحفظوا رأسهم، عند تبدل الدول. وصارت أملاكهم الواسعة، عرضة للإنتهاب.
تعود المراعبة السكن في السرايات. لم ينزلقوا إلى قتال الفرنسيين. ولكن ذلك لم يرحمهم، و لم يدم لهم طويلا. إشتغل الفرنسيون، على الشقاقات بين بطون البيت الواحد. لم يعد المراعبة بيتا واحدا. فكانت سراي برقايل وكانت سراي الجومة وكانت سراي البيرة، وكان بالإضافة إلى ذلك، حصن الحوشب. كانت الكلمة لعبود بك في برقايل، مع تشكل لبنان الكبير. وكان نفوذ عكار من خلاله كبيرا، في دولة لبنان الكبير. سارع ومد يده لرجل الإستقلال بشارة الخوري. ومد الدولة بماله. فاوض البنك الدولي. وإشترى الذهب لمصرف لبنان المركزي. كان النائب والوزير محمد بك العبود، أول من نبه لضرورة إستقرار سعر الصرف، بعد تأسيس مصرف لبنان المركزي، وإبطال بنك سوريا ولبنان، بعد إنفصال، قاده حسني الزعيم في دمشق، وقتل بعده.
كان لا بد أن يقتل محمد العبود بطل شراء الذهب وتثبيت سعر الصرف للبنك المركزي.
كان قصره في برقايل مرجع زعماء عكار ومرجع زعماء لبنان. كان زعماء الإستقلال، يعودون إليه، في برقايل وطرابلس وبيروت. كان زعماء طرابلس يحسدونه. وكان زعماء الضنية من آل رعد وآل الفاضل يحسدونه. وإتسع الحسد عليه بعد خسارة بشارة الخوري.، حتى قتله.
أما آل الضاهر وآل مسعود، فكانوا إلى جانب الجيش. وإنخرط شبابهم فيه، فبنيت الثكنة في عندقت لهم، حتى تحميهم من وهم طغيان الجيران. وهذا ما باعد بينهم وبين الدنادشة من جهة، وبينهم وبين المراعبة من جهة أخرى، فإستقووا بالجيش، فتألبت عليهم العشائر في الجرود.
سارعت العشائر في الجرود للإلتحاق بالثورة في العام1958. كان جميع زعماء عكار هدفا لهم. شبوا سريعا عن الطوق. فبدت عكار منذ ذلك التاريخ كالزجاج المكسور.
تساقط الدريب والدنادشة معا. وتساقط السهل والمراعبة معا. وتساقطت القبيات وعندقت، ومعهما: إل الضاهر وإل مسعود. وتساقط الجرد بجميع عشائره، من فنيدق ومشمش، إلى تكريت والدورة، إلى بيت جعفر، إلى قرى أكروم، إلى قرى وادي خالد، إلى قرى الوعر والنهر والبقيعة.
كانت عهود الجمهورية، تعتبر أن عكار ماتت، بعد موت زعيمها محمد بك العبود، ولم تسارع لحفظها. بدت عكار منذ برهة قتل العبود، لا تصلح لشيء في لبنان الإستقلال، لأنها كانت مثل الزجاج المكسور.
د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

Best Development Company in Lebanon
iPublish Development offers top-notch web development, social media marketing, and Instagram management services to grow your brand.
Explore iPublish Development