المقالات

حصان طروادة المستجد – د. قصي الحسين أستاذ في الجامعة اللبنانية

هذة المرة، لم يكن حصان طروادة، حصانا خشبيا، يحمل في جوفه جند الإغريق، يحتالون به، لإحتلال طروادة.
هذة المرة، كان حصان طروادة، كما يقول المتنبي، “عدوا في ثياب صديق”. وربما كان اليوم عدوا “على ثياب صديق”.
كيف حملت الحكومة علينا، بالكورونا. كيف إستطاعت إخلاء الساحات، لقمع الثورات، بلا قطرة دم. كيف إستطاعت أن تحجر المحتجين وتلزمهم منازلهم، وتخنق أصواتهم.
بل كيف توسلت بفيروس كورونا، أن تحتجز شعبا بأكمله، وتمنع عنه الطعام والكلام. تمنع عنه حقه في الهواء والشمس. تمنع عنه الرصيف والرغيف. تحجب عنه السماء، وترهبه بالموت والغمامة السوداء.
أتى فيروس كورونا بالحكومة، بالثوب الأبيض، من البيت الأبيض، فنقت ثوب جزار معتقل الخيام في زمن الإحتلال العميل عامر فاخوري، من دنس العمالة. وأخرجته للتو من السجن. وأدخلت بدلا منه الشعب كله إلى السجن.
هذا فيروس كورونا، في العشرين من شبابه، في الألفية الثالثة، في معجز عصره، يحمل الحكومة على حصان أبيض، فتضرب بسيفه أعناق المودعين، وتغلق في وجوههم المصارف، وتحرمهم من قجة عمرهم.
تحرم أبناءهم من مدارسهم. تحرم أبناءهم من جامعاتهم. تحرم شبابهم من أعمالهم. تغلق في وجه رمضان شهر الخير، أبواب الخير.
أتى فيروس كورونا، من مغارة “علي بابا” بجنوده، فصاحوا على الناس، أن إدخلوا منازلكم، وإبلعوا ألسنتكم، ولوكوا لعبكم وتلمظوا طعم الجمر في أفواهكم مع لعاب المنية، لئلا يحطمنكم فيروس كورونا وجنوده.
نشروا فيروس كورونا على الشطآن، ونادوا على الشعب بعدم الأمان. قالوا إن فيروس كورونا مخيف. وأنه يتربص بالفقير في الرغيف. وقالوا بإنقاذ حياته، بالحجر والعزل.
أدخل “حصان كورونا” الحكومة في جوفه وسار بها لسبي المدينة. فجأة وجدنا أنفسنا في عصر السبي والسباء المشرع، بعد إلغاء عصر “سوق العبيد” في أسواق بغداد وباريس وروما.
لم يعتد الشعب، على هذا النوع من “السباء المستجد” إلا في عصر كورونا وجنده.
رأينا المحجورين بأعيننا، في غرف الحجر ، بكميرا “الواتسب والفايبر والسكايب”، وقد خلع عنهم ثيابهم وسمح لهم أن يجروا مكالمةتهم الأخيرة، مع من يحبون، قبل الموت.
رأيت بأم عيني، على شاشة الهاتف عبر الواتسب، صديقي خضر ضيا، “بلا فنلا”في غرفة مكتبه، محجورا عليه، منذ شهرين ينتظر ساعته.
بكيته حقا، مثلما بكى البحتري الطائي “إيوان كسرى”. ومثلما بكى، خليل مطران “آثار بعلبك”. بكيته حقا، مثلما بكى الناعي “حجرا”، والد إمرئ القيس، لإمرئ القيس.
رد إمرؤ القيس عليه بكل حزم وقال: “اليوم خمر وغدا أمر”.
نعم قلت له، غدا أمر يا صديقي ضيا، بعد برهة الحجر.
ستخرج الناس إلى الشوارع مثل الطوف، تنادي على حقوقها المسلوبة. تنادي على جنى عمرها. تنادي على جناية بحقها.
كيف يسمح الرجل العجوز لنفسه، أن يشهد على خنق شعبه، وهو على حافته.
كيف يسمح ل “علي بابا”، أن يسبي المدينة. كيف يسمح للصوص كورونا، أن يجعلوا البلد قطيعا، بلا مناعة.
منذ عهود وعهود، وهم يسوقون الناس، إلى الإنتخابات قطعانا، قطعانا، بلا ماء ولا كلأ. أشفق عليهم الذئب، ونادى بتحرير القطيع. سمعت مرة الوزير “نهاد المشنوق”، يشفق مثل الذئب، لتحرير القطيع.
حدث أن تضجر مرة، نزار قباني من عيش القطيع، فقال يطلب الرحمة لجنايته على القتيل في غرفة “الإستجواب” :
“منذ الف عام.
وأنا ياسيدي” …
“أعلف كالأغنام .
أنام كالأغنام.
أبول كالأغنام”.
حصان كورونا، حصانة ل”علي بابا والأربعين حرامي”، لا حصانة لمال المودعين. لا حصانة للشعب يطارد المهربين. لا حصانة للناس تسترد شواطئها، ولا حصانة للناس تسترد داراتها ومنهوباتها.
حصانة كورونا، ستارة من دخان، يستترون خلفها و تحتها لإطالة عمر الحكومة في التربص للسنوات القادمة. تعودوا السكن في السرايات. وتعودوا توزيع القرايات. تعودوا العيش في “ظلال الثكن”. تعودوا أن يقولوا للشعب: “الأمر لي”. وعلى الشعب أن يدبر رأسه في الوطن. وأن يعتاد العيش، على فتات المصارف. وأن يعتاد العيش على نفايات الشوارع. وأن يعتاد العيش على المزابل. ولو بلا ماء ولا هواء ولا دواء ولا شمس ولا كهرباء. ولو بلا حفنة من طحين، ولا عجنة بائسة لعرس حزين.
“حصانة كورونا”، من فصيلة “حصان طروادة المستجد”. تحمي الغزاة الجدد، لخزينة الدولة. تحمي الناهبين الجدد. تحمي اللصوص الجدد. يقلبون الدفاتر العتيقة، لا لإسترداد الفلوس، بل للبحث عن الفلس المتبقي الأخير. في أسفل “الجارور الأخير”
كنت أنظر في سوق القصابين، كيف تصير البقرة “لحما على وضم”. كيف تمر السكين بين خرزات الظهر و الرقبة. كيف تمفصل السكين اللحم عن العظم.
هي دولة، قال عنها الرئيس ألياس الهراوي، قبل سنين: إنها لبقرة، جف ضرعها، بعد إحتلابها لسنين مئين. وأما الآن فتؤخذ بالسكين.
“حصان كورونا”، من نسل حصان طروادة المستجد. “حصان أصيل”، من أحصنة الإغريق المجربة لسبي المدن. تخرج من إصطبل البيت الأبيض، بعدما التقطه “راعي البقر” بإنشوطته في صحراء تكساس، في فيلم صنعته له هوليود، وأخرجته لنا.
إمتطوه على عجل ودخلوا به إلى المدينة، وأحتلوا السرايات. ولم تبق للشعب، سرية من شباب، تدافع عن الشعب.
شعب غلبان، هو اليوم شعب لبنان. أين “أبو ليلى” ينادي عليهم يصرخ في وجوههم، بعد حجر الفرح في عيون الناس، بعد حجر الزجل في “اليلدزلار” وفي حنجرة زغلول الدامور وأعراس نهر البردوني.
لا تعجبوا. ستسمعون أيضا، أن نسرا فوق “القرنة السوداء”، بين ضهر القضيب وقنان جبل المكمل، أبطل تحليقه، وخار ريشه وحط متحجرا، على غصن من أرزة متحجرة.
سيقلب حصان طروادة المستجد، دوره، ويركب الشعب، ويحمله إلى مغارة جعيتا، المتحف الطبيعي لحجر الصخور.
لا فكاك بعد اليوم، من حصان كورونا، حتى يؤول العهد، إلى حصان جديد. شعب يركب الحصان بالمقلوب. وجهه إلى الخلف، كما يعنف الأسرى ويشهر بهم ، في الأسواق العامة، في بلاد الإغريق، وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين وفي أرض الحجاز وأرض الكنانة والسودان. وأمام ملك الهند.
شعب، أسير مطامع ضعاف النفوس. يحتجزه حكامه، مثل دابة شردت في حقول الغير، فأوقفوها. ربطوها في الشمس بلا ماء. حتى يدفع ثمن فكاكها.
لا بد أن نشهد على يوم، ندفع فيه “كبارة”/ ضريبة، للحكام والظلام والموسرين. لم لا. ألم تسور علينا أرض فلسطين. ألم يحجر على الشعب، داخل الأسوار. وما الفرق بين أسوار هنا /وأسوار هناك.
نقول للطرواديين ولو بعد حين: إن برهة حطم/تكسير جدار برلين، آتية لا محالة.
حصان كورونا من شعث الطريق. فيروس حقير من شعث ذيل حصان طروادة المستجد لا أكثر ولا أقل. أوقفوا حجر الشعب يوما واحدا، ولسوف ترون كيف يفعل بكم الشعب. كيف يذهب بكم الشعب.

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى