المقالات

مصر 0000 والمصير – بقلم: محمد علي الحلبي – دمشق

إذا سلمنا بمقولة السياسة فنّ الممكن،ذلك يعني وبالتأكيد أن صراعاً داخليا قائمً بين الإرادة الذاتية وإرادات الآخرين،وخارجيا بين إرادة الأمة وإرادات الشعوب الأخرى،وللتخفيف من حدّة الصراعات إلى أدنى المستويات لابد من ضوابط أخلاقية قيمية ناظمة لها تحدّ من طغيان المصالح الخاصة على سلوك الأطراف جميعها ففي حال عدم التقيد النسبي بتلك الضوابط تتكاثر المآسي والكوارث والويلات،والتاريخ بفلسفته يقوم على قاعدة استنباط الشواهد والمعارف لكل حالات السكينة في العلاقات،أو اضطرابها موجهاً ومرشداً للأخذ بأفضلها في المجال الإنساني،والإعراض والابتعاد عن سيئها،ومن وحيّ هذه القواعد استمد التراث العربي  كنهه وروحه إذ كتب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى”  أس بين الناس في وجهك وعدلك أي سوِّ بينهم” ،والشاعر بن حمديس عاش بين447-527هجرية يوضح وفي بيت شعر له فن عدالة السياسة فيقول:
عدل السياسة لا يرضى له سيراً        إلا بما أنزل الرحمن في السور
وهكذا تكون الضوابط قد وضعت لتشعبات السياسات المحلية،والإقليمية،والدولية…..وفي وقتنا المعاصر ازدادت أهمية الترابط التفاعلي بين هذه التشعبات بشكل كبير جداً فأي نجاح في أحد الجوانب يترك آثاره على الجانبين الآخرين،وعلى العكس من ذلك فالفشل يرمي بظلاله عليها لكن وفي جميع الظروف والحالات لابد من إيلاء السياسات المحلية الجانب الأكبر فكلما كانت منطلقاتها الوطنية مُعززة للحريات على كافة الأصعدة وباذلة الجهد لتطوير البرامج الاقتصادية التنموية وتحقيقها فإنها ترسخ وتثبت عناصر قوة الأمة.

وفي تطبيقٍ لهذه الثوابت الفكرية على الواقع في مصر،واستقراء للنتائج التحليلية له نجد أن السياسة المحلية لم تستطع تغيير الواقع الداخلي إلى الأفضل،بل دفعت به للتردي أكثر..وأكثر،وعن ذلك جاء تقرير مؤسسة مركز الأرض لحقوق الإنسان المصرية ليلقي الضوء على تراجع النشاط الاقتصادي ،وتراجع معدلات الاستثمار….هذا الوضع نتج عنه تجاوز عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر العالمي(المحدد بدولار أمريكي كدخل لليوم الواحد) فوصل نسبة48%ممن المصريين بعد أن كانوا35%مع بداية تطبيق برنامج التكثيف الهيكلي الذي يعدّ السبب الرئيسي في تلك الأزمات. هذه المستجدات دفعت إلى صعود الحركة العمالية فتزايدت احتجاجات أعضائها ،ففي عام2000بلغت164احتجاجاً،ثم قفزت بعد إضراب المحلة الكبرى إلى750احتجاجاً مع نهاية عام2007،وزادت عن700احتجاج عام2009،وكان من جملة المطالب صرف مستحقات سابقة للعمال من بدلات وحوافز،وعلاوات لم تقم الجهات الإدارية بصرفها،والتقرير أيضاً يوضح مدى التعسف ضد هذه الطبقة الكادحة المعدمة،ففي عام2007 ً، بلغ مجموع من تم فصلهم من عملهم  115545عاملا ً.

يؤكد بعض هذه المعلومات،بل يضيف عليها الباحث العربي المصري في معهد “كارنيجي” الدكتور عمرو حمزاوي مركزاً على أن النسبة المئوية لنمو الناتج المحلي ثبتت عند3,2%بينما الديّن الداخلي وهو إجمالي ديون الحكومة والمؤسسات،والهيئات العامة تجاه الاقتصاد الوطني بلغ47مليار دولار في عام2000،وتجاوزت نسبته بذلك50%من الناتج المحلي الإجمالي،كما وتبعت الديون الخارجية الديّن العام الداخلي لتسجل نسبة تجاوزت بقليل31%من الناتج المحلي،ويورد المُحلل أرقاماً وبتفصيل أدق تدعو إلى التألم على الأوضاع التي وصل إليها هذا البلد ،  ناقلا عن التقارير الدولية أن ما يقرب من20%من المصريين يعيشون تحت خط الفقر،و25%آخرون على خط الفقر،ويكشف عن الاستغلال الواقع لفئات معينة بعضهم مقرب من مسؤولي نظام الحكم لتكثيف وتعزيز ثرواتهم،وبرأيه أن10%من إجمالي السكان استحوذوا على نسبة25%من الناتج المحلي الإجمالي،كما وأن نسب التضخم خرجت عن سيطرة الحكومة ،واقتربت من19%في عام2008بينما اقترب المعدل السنوي للبطالة من10%،أما مساهمات القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي فمساهمة القطاع الصناعي وصلت إلى38%مقابل48%لقطاع الخدمات،بينما تراجع إسهام القطاع الزراعي من16%عام2000إلى13,8%في عام2009.
وهكذا،فالصورة تشتد قتامتها،وتنذر بعواقب سيئة ستظل تلاحق المواطن ،بل ستزداد توابعها إن بقيت الأحوال كما هي….وفي هذا الوضع البائس تتزايد محاربة أجهزة الأمن والإعلام الرسمي لحرية الرأي،بل والتحامل على بنيان المجتمع المدني ومنع  منظماته من التعليق،وكشف العيوب،وتقديم النصائح فلقد بات من المعروف أن أجهزة الأمن هي التي تُدير يوميات الحياة السياسية فيُعتقل أصحاب الرأي،وتُُحارب الأحزاب السياسية تحت مسميات عدّة تحمل كل نوازع الشرّ تجاه حرية الاعتقاد ،والانتخابات البرلمانية الأخيرة استعملت فيها كل ما يبعدها عن النزاهة،….لقد حُجب حق الترشيح عن العديد تحت مبررات عدة،ومُنع بعض مرشحيّ المعارضة من تعيين وكلاء لهم،وتم التزوير في لوائح أسماء الناخبين ،وبذا فاز الحزب الحاكم بالأغلبية،أما الأقلية من النوّاب سيمثّل بعضهم الشكل المعارض بدون أي تأثير نحو  التغيير ، ،وجميع المراقبين للحراك”الديمقراطي”يروّن أن ما تمّ ليس إلا لتمهيد وضمان نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة،وأكبر دليل على كل ذلك  أحجام المواطنين عن إبداء رأيهم فنسبة الاقتراع لم تتجاوز25%وفق رأي الجهات المحايدة.

عن السياسات الإقليمية، فمن أهم سماتها:
1-    عزلة إلى حدّ كبير عن العالم العربي.
2-    الدور الإقليمي في البلدان المجاورة للأقطار العربية يضعف باستمرار،بل يكاد ينعدم في إفريقيا  .
وعن دور النظام المصري عربياً فلقد صُنف في إطار دول الاعتدال،  في مواجهة دول الممانعة في المنطقة تاركا ومتناسياً الدور القيادي لمصر في الإطار العربي والعمل من أجل جمع الطاقات العربية لأن في ذلك مصلحة وطنية لشعبها العربي وفي الحدّ الأدنى منه تبادل المصالح بين البلدان العربية بغض النظر عن عقيدة الانتماء القومي وأهميتها ،وأبرز ظاهرتي تراجع :
الأولى دعم إسرائيل في حصارها لقطاع غزة لخوف النظام من انتصار التيار الإسلامي فيها وانعكاس ذلك على القوى الإسلامية المصرية،بالإضافة إلى تجنب مخالفة التعليمات الأمريكية القاضية بفرض حصار شديد على مليون ونصف المليون عربي يعيشون في أسوأ ظروف الحياة،والدليل على الإملاءات الأمريكية قرار الكونغرس تخفيض مبلغ المساعدات العسكرية والاقتصادية المقدمة لمصر والمقدرة بـ2,1مليار دولار في عام1988لعدم قدرتها على إغلاق معبر رفح إغلاقاً كاملا ً،وتدميرها للأنفاق حيث وصل مبلغ المساعدات في العام الحالي إلى1,55مليار دولار.
والظاهرة التراجعية الأخرى،والتي تشكل خطراً على الأمن المصري بشكل عام وتحديداً على الأمن المائي تتبدى في الموقف المتفرج على أزمات السودان،والحركات الانفصالية فيه في الجنوب،وفي دارفور،و في شرقه….لقد اعتبر البلدان بلداً واحداً في مطلع القرن الماضي،ورغم الموقف المتداعي والمتراجع في عون ومساعدة السودان،فانه  على العكس احتضن أقطاب وزعماء الحركات الانفصالية وفي إقرار للحقائق يتحدث مدير جامعة إفريقيا في الخرطوم عما آلت إليه علاقات البلدين من سوء،ويؤيده الرأي الكاتب  “خالد سعد” في مقال له نشر في جريدة الصحافة في20/5/2010يقول فيه:”إن مصر لم تعد من الدول الرئيسية التي تستطيع التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر في الشأن السوداني،وأن الوجود المصري في البلاد مجرد ذكرى يحنّ إليها كل من عَمل في الري ،أو درس في البعثات المصرية القديمة” ويبيّن أن التعليم كان من أهم الساحات التي غابت عنها مصر،فمنذ أربع سنوات أعلن عن إقامة فرع لجامعة الإسكندرية في جوبا عاصمة الجنوب،لكن المشروع لم يرَ النور إلى الآن،ومنذ ستّ سنوات وفي عام2004تم الاتفاق على إقامة فرع لجامعة القاهرة في السودان،وخُصصت الأرض للمشروع في الخرطوم،وتم بناء المبنى الإداري،وكان مقرراً أن تُفتتح في شهر أغسطس-آب- من العام الماضي2009،إنما  المشروع لم يرَ النور بدوره،والحصيلة عودة إلى الوراء في مجمل العلاقات ، ،والعيش فيها، والدكتور عبد الرحمن خريس أحد أساتذة العلوم السياسية يقول:”أن التأثير المصري في المنطقة كلها قد خفّ بحيث لم تعد مصر قادرة على منافسة الدور الأمريكي،أو الإسرائيلي في إفريقيا…إن تفريط مصر في علاقاتها الإفريقية لاسيما في العقود الزمنية الأخيرة  .جعلت الولايات المتحدة البوابة التي تدخل منها مصر إلى المنطقة الإفريقية”.  تؤكد ذلك رواية نقلها أحد السفراء العرب عن الرئيس عمر البشير أنه طلب من مصر إرسال مليوني عامل زراعي للعمل في الأراضي السودانية والاستفادة من خبراتهم فكان الردّ الرسمي أن الأمريكيين لن يسمحوا لنا  ,  

والأمن القومي لهذا البلد العربي الذي اعتبره الفراعنة ومنذ القِدم يمتد من بلاد الشام إلى برقّة في ليبيا،وإلى الجنوب في السودان بات الآن مهدداً،ولقد تجرأت دول منبع النيل للقول إن زمن الاتفاقيات المائية السابقة قد ولىّ،وأن هذه الدول بصدد إقامة سدود ومشاريع ريّ تخفف من الحصة المائية لمصر والسودان،والأيام القادمة حُبلى بالمآسي بعد انفصال الجنوب  ” المُتوقع “وانصمامه لهذه المجموعة وإقامته لعلاقات دبلوماسية مع اسرائيل كما أوضح ” سيلفا كير ”   ،
والحديث عن الدور المصري في العراق ولبنان، ذو شجون،ففي مذكرات الرئيس السابق”بوش”ذكر أن الرئيس المصري هو الذي أمدّه بالمعلومات الخاصة بأسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق،والتي على أساسها شنّت أمريكا عدوانها واحتلالها لهذا البلد العربي،كما قال للجنرال”تومي فرا نكس”القائد الأسبق للقيادة الوسطى للجيش الأمريكي بأن الرئيس صدام حسين لديه أسلحة بيولوجية لكن الخارجية المصرية نفتّ نفياً قاطعاً ذلك ،وعن أزمات لبنان فالنظام المصري ضد حركة المقاومة اللبنانية،وما يذكره الجميع أنه وبعد بدء العدوان الإسرائيلي عام2006صدر تصريحان من مصر والأردن اعتبرا أن افتعال الأزمة من قِبل حزب الله مغامرة غير محسوبة،ولكن في النهاية انتصرت المقاومة،ولم تحقق إسرائيل أي هدف من أهدافها،وهذا ما أثبتته لجنة التحقيق الدولية في مراجعتها لمبررات العدوان،ووقائعه،واندحار القوات الإسرائيلية،والخسائر التي تكبدتها في العتاد،وأعداد القتلى،
والحديث عن الجانب الإقليمي في إطار العلاقة مع البلدان الأخرى يطول لكثرة تفاصيله ،لكن وبتلخيص مركزّ فعداء النظام ضد إيران بات واضحاً وجلياً تحت عنوان(امتلاكها السلاح النووي)ومع تركيا فهي عادية لخلاف على سياسات مبدئية نادت بها تركيا بضرورة فك الحصار عن غزة ،وبكل الأحوال فالسياسات الإقليمية لايستطيع قادة مصر رؤيتها إلا بالمنظار الأمريكي،لا بالنظرات والتأملات الوطنية الحقة.

علاقات مصر بإسرائيل:
لا يحتاج أي باحث،أو راغب بالإطلاع والمعرفة في هذا المضمار إلى كبير جهد،فالشواهد عديدة وكثيرة تكشف عن  المدى الذي وصلت إليه علاقة النظام المصري بإسرائيل،والتنسيق معها،وأحياناً على حساب الأمن العربي وحتى الأمن المصري،فمنذ توقيع اتفاقية”السلام”عام1979،ورئيس الوزراء آنذاك”بيغن”وأثناء زيارة السادات للقدس خاطبه طالباً منه”سيادة الرئيس نريد علاقات طبيعية بين بلدينا،ونقترح تطويراً لها في المجال الاقتصادي”و”مرداخاي غازث”رئيس مجموعة في وزارة الخارجية الإسرائيلية أعدّ ومجموعته تقريراً حول التعاون الاقتصادي بين البلدين شدد على ضرورة إقامة أقوى العلاقات باستخدام العلم في إسرائيل،والثروة الطبيعية في مصر، ان ما جرى،ويجري من سياسات مصرية إقليمية يصب أغلبه في مصلحة “الدولة العبرية” فالكاتب الإسرائيلي”إيهود بعلام”الخبير الاستراتيجي والمتخصص في دراسات الأمن القومي الإسرائيلي يعبر عن رأيه بصراحة،ووضوح قائلا:”من الواجب على إسرائيل أن تؤيد التوريث المصري الجديد في كرسي الحكم،وإخلاء سيناء من الأسلحة”ويرسم ويحدد أسلوب السياسة في ضرورة دعم خليفة الرئيس”مبارك”ان  كان على  شاكلته فيتعين عليها الامتناع عن تأييده علنياً وبشكل مباشر،ومع ذلك يمكن لإسرائيل أن تقدم المساعدات بشكل غير مباشر،وأيضاً بدون التنسيق معه إذ يمكنها أن تشجع أوروبا والولايات المتحدة على مساعدة مصر اقتصادياً مما قد يُسهم في ترسيخ نظام الحاكم الجديد.

كل الأماني القديمة وجدت مرتعها الخصب، ففي دراسة لمعهد التصدير الإسرائيلي تبين أن هناك أكثر من132مؤسسة إسرائيلية تعمل في مصر، وقد ارتفع حجم التصدير الإسرائيلي إليها بنسبة189%وبحجم مبلغ64,6مليون دولار…كان ذلك في عام2005،والاستنتاج المنطقي أن أرقامها تصاعدت في الأعوام التي تلته،واتفاقية”الكويز”بإقامة مشاريع إنتاجية مشتركة والتي طرحتها الولايات المتحدة لدخول إسرائيل في مختلف الاتفاقات الاقتصادية التي تبرمها الولايات المتحدة مع الدول العربية فقد أسهمت هذه الاتفاقيات في زيادة الصادرات غير أنها في الوقت ذاته جعلت المنتجات الإسرائيلية بشكل دائم ومعلن في أسواق مصر،ولعل أكبر غبن أصاب الشعب العربي المصري توقيع اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل ولمدة 20 عاما لاستخدامه في توليد الطاقة،وفي آليات حروبها على الأمة العربية ،وبانتهاء مدتها   ينفذ المخزون الاستراتيجي للغاز بينما يعاني المصريون من نقص في هذه المادة في بلدهم،والحديث دار،ويدور عن بيعه بسعرٍ متدّنٍ،وعضو مجلس الشورى المصري”ليلى خواجة”وخلال اجتماع للجنة الصناعة سألت:”بكم تبيعون الغاز لإسرائيل؟!…”  إلا أن وزير النفط راوغ دون أن يقدم إجابة محددة، بينما حاول رئيس اللجنة ورجل الأعمال المقرّب من قيادة الحزب”محمد فريد خميس”الخروج من المأزق فقال بقوة:”إنها قضية أمن قومي”ثم أعادت السيدة سؤالها لعدم قناعتها….والجواب ما زال غير مكشوف
علاقات مصر الدولية:
لطالما أن الرؤية المصرية الرسمية ترى العالم حصراً بالمنظار الأمريكي فالأكيد أن علاقات البلدين جيدة،وبنفس الجودة إلى حدّ ما مع حلفاء أمريكا  الغربيين،لكن ذلك لا يمنع من لمسات ناعمة سياسية من حين لآخر مع بعض دول العالم الأخرى .

إنه الواقع القائم،والذي إذا استمر ستزداد الظلمة على شعب مصر،وعلى الأمة العربية،وعلى العالم الإسلامي،والأمل معقود على مناهضة ومعاندة هذا النهج في الحراك الجماهيري المتبدي حالياً،والمتصاعد يوماً إثر يوم،والتغيير قادم بإذن الله.

محمد علي الحلبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى