المقالات

البلاد السائبة \ د. قصي الحسين

لبنان يعلم الناس الحرام. يعلم شعبه الحرام. وشعبه يعلم العالم كله الحرام. أول دروسه التعليمية للمواطن: نهب المال العام. نهب المسؤولين في الدولة، للمال العام للدولة. سرقة الأخ لأخيه. سرقة البلديات لحقوق بعضها البعض. سرقة الدولة لحقوق البلديات. نهب الدولة لأموال الضمان. ونهب الضمان لأمول المضمونين. نهب النقابات. نهب المستشفيات للمرضى. نهب المدارس والجامعات للطلاب ولأهالي التلاميذ والطلاب. نهب الحقوق والودائع والمدخرات. نهب البنوك والمصارف لأموال المودعين. نهب الشركات والمؤسسات العامة والخاصة، لكل ما هو حق للأفراد، أو هو من الحقوق العمومية. من الحق العام.

القصة تبدأ من الصغير إلى الكبير. السمكة الكبيرة، تأكل السمكة الصغيرة، على قاعدة من شريعة الغاب. كل واحد يجرب مد يده حيث يستطيع. من الإقتطاع من الطريق، حتى قطع الأسلاك وسرقة المضخات. من نهش الجبال، حتى شفط الرمول، ووضع اليد على سكك الحديد، والمرافئ ومجاري الأنهر ورؤوس الجبال. وحتى على الوديان.

دولة سائبة. كل شيء فيها معرض لشنق الناس. وهي في الوقت نفسه، بلا مشانق للزعماء: بلا محاسبة للقادة والمسؤولين. بلا مساءلة لمن يتولى “السلطة المثلثة الرحمات”. يتصدرون الدولة، نيابة عن الدولة. يعينون لأنفسهم من ينوب عنهم، إذا إقتضى الأمر، دفعا للشبهات، لأجل سرقة موارد الدولة. ولإستكمال أطماعهم في الإعتداء على الوطن والمواطن. وحتى لوضع تقرير. وتحرير مضبطة. وإعلان الحكم بإسم الشعب، ضد مصلحة الشعب. ضد كل أفراد الشعب. وكان الأجدر لهم أن يقولوا بإسم هذا الزعيم أو ذاك. بدل أن يقولوا: “بإسم الشعب”: بلا تزوير. وبلا لف، ولا إستهتار ، ولا دوران.

بلاد سائبة، تعلم الناس الحرام. الخزائن المالية العامة، كلها مستباحة. و”الذين إذا ما إستحوا، ماتوا”. ماتوا في ضمير الناس. على قاعدة نجيب محفوظ الذهبية: إن الذي يموت، هو من يموت في عيون الناس. في قلوب الناس. إن الذي مات، هو من مات في وعي الناس.

صدقوني: لم أعد أرى في طول البلاد وعرضها، إلا طوابير الفاسدين، الذين يتحضرون في النهارات، لسلب “فلس الأرملة” مع حلول أول الليل. زعماء موصوفون ب”طول اليد”، لا بطول الباع. موصوفون بالحمق، لا بأنهم من أهل الرأي السديد، ولا من أصحاب الجرأة في المواقف الشداد. ليست السياسة عندهم كياسة في حسن القيادة ولا في ترؤس المجالس، ولا الإجتماعات، ولا المجاميع، التي ينشدها الناس في الأزمات. بل هي خبث كلها، وتدليس. وبيع وشراء على كل الصعد. من “رهن القدور” والعقارات، حتى رهن الأصوات، لزمن الإنتخابات.

بلاد سائبة، تعلم الناس الفجور. تعلمهم السلب والنهب بقوة الذراع. تراهم ضعاف النفوس أمام أهل النفوذ، في الداخل والخارج على حد سواء. يريدون كسب المال، بأدنى سبيل، وبأقصر وقت. يريدون كسب المال بشرفهم الشخصي. وبشرفهم الوطني. وبشرفهم القومي. وبشرفهم الإنساني. يريدون الوصول إلى أعلى رتبة في الثراء، ولو على جثث الشعب كله. ولو على جثث الشهداء. حتى باتوا يعرفون ب”الوصولية والوصوليين”. وبالأثرياء من طبقة النهاب. يحتجون على بعضهم. يحاججون بعضهم، بالعفة من الصباح إلى المساء. وإذا ما تدشوا، فاح فوههم، برائحة أفواه وحوش نافقة، ثمانين..

بعد حرب أوكرانيا، صرنا ندعو ربنا على نعمة السلام عندنا. صرنا ندعو للذئاب أن تلهو عنا في “مجعلتها”. أن لا تنفد أسلابها. أن تظل غارقة في الأرواث، في أرواث ما تسلب، حتى لا تستفيقها “يقظة الحرب” عندنا، ولا عند غيرنا..

البلاد السائبة هي بلادنا. هي أصل البلاء. و في الأمثال: “شر البلية ما يضحك”. ترانا نعدد الأسباب. ثم إذا بنا نستغرق، في الضحك، بدل البكاء: البكاء على بلادنا السائبة، والإنتخابات عندنا في لبنان، على الأبواب. فمن يجرؤ، في الإنتخابات!. من يجرؤ على رمي الطبقة الفاسدة خارج الدولة . خارج المسؤوليات. خارج التاريخ. بل على قارعة الطريق، دون أن يحسبوا لذلك ألف حساب.!

د. قصي الحسين
أستاذ في الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى