المقالات

*إطلاقُ العَنان … لسُنَّة لبنان … *كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف

مع تركيب قواعد النظام اللبناني ، ومع إعلان دولة لبنان الكبير ، في بداية العشرينات من القرن العشرين ، فقد كانت الأسس الأولى لهذا النظام ، مبنية على الطائفية والحصص المذهبية ، لذا تعمَُد الجنرال غورو عند إعلانه قيام الدولة ، أن يجمع حوله المفتي والبطريرك وسائر الرؤساء الروحيين والمدنيين ، وكانت الإمتيازات للأتباع والأنصار للدولة الفرنسية ، عقب إنتصارها في الحرب العالمية الأولى ومن حصتها في المنطقة العربية وعقب إتفاقية سايكس – بيكو مع الإنكليز…
وعليه فقد كانت المنازعات والتجاذبات والمحسوبيات في تقاسم الحصص والمناصب السياسية والإدارية، والأجهزة والسلطات والصلاحيات لهم جميعاً ، وتكرس ذلك في ميثاق /١٩٤٣/ الذي بُني عليه الدستور اللبناني في الجمهورية الأولى …
وجاء الميثاق الثاني بعد إتفاق الطائف وإعلان الدستور المتجدد للجمهورية الثانية ، عقب أحداث أليمة ، قد أنهت الحرب والخلافات على أسس الإمتيازات ، وتكريس المناصفة في السلطات النيابية والحكومية والقضائية ، وكافة وظائف الفئة الأولى الإدارية والأجهزة الأمنية والعسكرية والديبلوماسية ، ولكن ويا للأسف فإن هناك أيادٍ خفية ، لبنانية وأجنبية ، لم يِرُق لها هذا الإتفاق ، وفي نفوسها حسرةً على نتائجه ، وأن من غاياتها تعطيله ، بل إلغاؤه …
علماً بأنه قد مضى على إبرامه أكثر من ثلاثين سنة ، ولكن لم تنفذ بنوده إجمالاً ، سوى تكريس الرئآسات الطائفية ، والفئآت المذهبية ، وعلى قاعدة المحاصصات التوافقية ، التي ألغت بالتالي أحد أهم أركان النظام ، ألا وهو : الديموقراطية ، المبنية على الأكثرية والأقلية ، والموالاة والمعارضة ، وهذا ما ميَّز لبنان عن باقي أنظمة المنطقة ،على مدى السنين والعهود ، وأعطاه الإنفتاح على العالم وتقديرهم ، عكس ما يجري له في هذا العهد القوي على أبنائه …
من هنا نجد أن لبنان ، قد تدحرج إلى الحضيض ، وإلى جهنم كما نطقت بها ألسنتهم ، وأيضاً قد فشلت السلطة الحاكمة ، في إدارة الأمور والشؤون المعيشية ، وفي التدبير لكافة القضايا المتعلقة بالوزارات والإدارات والأجهزة المختلفة ، مع التعنُّت في تطبيق الطائف وفي تحقيق بنود الدستور المبني عليه ، والذي تكرس بإجماع ممثلي الأمة ، وبعد مناقشات وتحضيرات وإستشارات ، قد وضعت من جهابذة القانون اللبناني ومُشرِّعِيه وبدعم عربي ودولي ، قد أعاد للبنان الأمن والسلام ، وتنعم بالطمأنينة التي أعاد فيها ما خرِبَ من مؤسسات الدولة وأجهزتها وسلطاتها ، والتي تجمَّدت فيما بعد وتقوَُضت وإنهارت بفعل النفوس الضعيفة ، واللاهثة للمناصب والمصالح الشخصية والأنانية ، التي تعطينا الصورة الواضحة والفاضحة بفئويتها، وعن الذهنية الضيقة التي تقود البلاد إلى الحضيض …
لذا فقد تنبهت قيادات الطوائف الدينية والمدنية بمعظمها ، ما عدا السنَُة ، ربما لوجود العقلية السمحاء ، أو لإعتبارها ليست طائفة ، وهي قد تعوّدت على مسار الأمة الإسلامية لمدى العصور ، أو الأمة العربية كما أملتها دول الجامعة العربية على شعوبها بالوعود المغدقة بالوحدة والإنتماء …
مما حدا بهم إلى إحتضان الأقليات ، والسماح لها بتحصين مواقعها وكل حاجاتها ، لأن الأمة العربية والإسلامية تتسع للجميع وتتلاقى معهم على العيش المشترك والحضارة الواحدة ، ضمن القاعدة القرآنية : (قل يا أهل الكتاب ، تعالوا إلى كلمة سواء) ، دونما النظر لما يفكر به أصحاب الأقليات في التقوقع والضب على بعضهم البعض ، وعدم التسامح بأي مطلب أو ما يمكن تحقيقه من مكاسب جديدة تعزز مواقعهم ومراكزهم لذا يتحدثون بلغة القوة والهيمنة لئلا يتعرضون للذوبان في فسحة الغالبية …
أين السنَّة ، وأهل السنَُة والجماعة في لبنان ، الذين لا زالوا يحلمون بالوحدة العربية ، أو بالدولة الإسلامية ، التي يمكن لها أن تنقذهم من الحضيض ، والذي وصلت حالتهم إليه ، ولا زالوا أيضاً يُصدّقون قياداتهم وما يسمى زعاماتهم التاريخية ، الذين خدَّروهم بالوحدة الوطنية ، وبالعيش المشترك ، وبأنهم عماد الوطن وعموده الفقري ، وأنهم صمام الأمان للدولة ومؤسساتها التي قامت على أكتافهم ، ونالت الإستقلال من دماء أبنائهم الأبطال الذين زُحِلوا تحت جنازير دبابات المحتل…ووو… إلخ …
من هذه الكلمات الفضفاضة ، التي تدغدغ العواطف الركيكة ، والتي تُبعِدهُم عن التمسُّك أيضاً بالحقوق والمكاسب ، والوقوف عند كل مطلب مستحق لهم ، وقد ظهرت بالوقت الضائع كما يُقال : (يُطِعمك حجَّة ، والناس راجعة ..) دعواتٌ إلى اللقاء الشامل للنواب السنة في دار الفتوى ، وبرعاية دينية لشؤون مدنية وسياسية ، قد تعطي مبرراتٍ للعديد من النواب السنّة ، بعدم المشاركة ، سيما وأنهم يَدينون لمبدأ فصلِ الدين عن الدولة ، وهم يطالبون علناً بإلغاء الطائفية من أساسها ، عوضاً عن نواب من أهل السنّة بالإسم ولكنهم يَدينون لكتلٍ وتياراتٍ وأحزابٍ بعيدةٍ عن التوجه الديني السنّي ، علماً بأنهم يُعتبَرون من الهيئة الناخبةِ حُكماً لإنتخاب مفتي الجمهورية ، ومفتيُِ المناطق ، وأيضاً للمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى ومجالس الأوقاف الإسلامية…
وفي جميع الأحوال ، فإن نواب السنة الحاليين لا يمثلون غالبية الشارع السنّي ، ويُعرفُ ذلك من إحصائياتِ نسبةِ الأصواتِ ، التي نالوها ، على نسبة التصويت ، الذي جرى في مناطقهم ، حيث لم يتجاوز ٣٠ % بأحسن تقدير ، وعليه فإن الموقف السنّي العادل والشامل ، تجاه الأوضاع المأساوية، التي تمر بهم وبالوطن ، تستوجب مؤتمراً شاملاً لأهل السنّة ، يُدعى إليه أهل الحلِّ والعقد ، وضمن مواصفات تدل عليهم من خلال قدراتهم وإمكانياتهم العلمية والفقهية والسياسية والإجتماعية والشعبية …
وأيضاً يُدعَون ضمن ضوابط تهم الموقف الجرئ ، الذي يُعبِّر عن حقيقة وجود أهل السنة في هذا البلد ، وعيشِهم الكريم مع باقي الفرقاء بالعدل والمساواة على الأقل ، إضافة إلى لعب الدور الوافي ، على الصعيد الرئآسي ، والنيابي والحكومي ، وكل السلطات وخاصة القضائية منها ، حيث تجري الرياحُ فيها عكسَ ماتشتهي السفن ، والموقوفين الإسلاميين أكبر دليل على ذلك ، وهم يقفون للمحاكمة تحت شعار (العدل أساس الملك ) ومعناه أنه : لا يوجد ملك إن لم يكن هناك عدل …
هل يمكن أن يلتقي أهل السنَّة في لبنان ، على قرارٍ وموقفٍ موحَّدٍ من خلال مؤتمرٍ شاملٍ في دار الفتوى وبرعاية سماحة المفتي ؟؟؟؟
وهل هناك نيَّةٌ وقرارٌ ، على أن تكون لأهل السنَّة قيادة ومرجعية دينية ودنيوية ، كما هي باقي الطوائف ، التي إكتملت عندها كل القواعد والإمكانيات بذلك منذ فترة طويلة ؟؟؟؟
وهل يُطلَق العَنان ، لنهضة أهل السنّة في لبنان ، على وقع تقسيم وتفتيت المنطقة العربية ككل وأغلبيتها من أهل السنة ، والصراع عليها ، حتى لا تقوم للوحدة العربية ولا للأمة قائمة …
وحتى لا تنادي بتحرير فلسطين والقدس الشريف وطرد المحتلين بثورة حتى النصر ، للقضية المركزية ، التي تربَّت عليها أجيال الأمة ، ومن شبَّ على شيء ، شابَ عليه…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

iPublish Development - Top Development Company in Lebanon
زر الذهاب إلى الأعلى